١٨‏/١٢‏/٢٠١٠

العروبة التي ندعو إليها 1-2 العروبة والإسلام ومفهوم الانتماء

هذا المقال هو خلاصة الأفكار التي كونتها من كتابات د.عصمت سيف الدولة ومن محاضرات ومناقشات مع أستاذتي وأخوتي في حزب العمل وأخص بالذكر الأستاذ محمد السخاوي والأستاذ مجدي حسين، وسوف أقوم بتقسيمه إلى جزئين نظرا لطوله.

العروبة ماهي

بداية يجب أن ندرك أنه ليس هناك تناقض بين الفكرة القومية، والعروبة بالأخص وبين الإسلام، وأن الإسلام هو من قام بتكوين الأمة العربية الحالية، فقبل الإسلام لم تكن هناك أمة عربية بالمعنى الصحيح، كانت مجرد قبائل متناحرة متوزعة في الجزيرة العربية، وكانت الشام والعراق وشمال افريقيا تسكنها شعوب غير عربية، ولم تكن في هذه المنطقة سوى القبائل (في الجزيرة العربية مثلا) أو الشعوب (مصر والعراق واليمن مثلا)، ولم تكن هناك أمة مكتملة، فعندما جاء الإسلام وفتح المسلمون الاوائل هذه البلاد، أصبحت جزءا من الأمة الإسلامية، ومع مرور الوقت والتفاعل بين هذه الشعوب والقبائل في ظل استقرار دولة الخلافة لمئات السنين تعربت وصارت عربية لغة وثقافة وهوية، فكانت الأمة العربية.

والقوميات هي صورة من صور التطور الاجتماعي فالمجتمع الإنساني يتطور من الأسرة إلى القبيلة إلى الشعب ثم إلى الأمة القومية ثم إلى الأمة عابرة القوميات، وفي حالتنا هذه فإن الأمة الإسلامية هي الأمة العابرة للقوميات وهي مرحلة النضوج النهائي لكل الأمم القومية بداخله، فالإمة الإسلامية تتكون من عدة أمم قومية كالأمة العربية والفارسية والتركية مثلا، وخصوصية الأمة العربية هنا أنها تكونت بالإسلام، فلم تكن هناك أمة عربية قبل الإسلام، ولكن مثلا كانت هناك أمة فارسية مكتملة التكوين، دخلت في الإسلام وظلت كما هي محتفظة بثقافتها ولسانها حتى الآن.

الخلاصة: العروبة ليست عرقا أو جنسا إنما هي ثقافة وحضارة، وقديما قيل "كل من تكلم العربية فهو عربي"، وأن الأمة العربية ما كانت لتوجد إلا في ظل الإسلام وتحت رايته، وكذلك لا يمكن اتستمرارها أو توحيدها بدونه. كذلك الأمة العربية يجب أن تكون الطليعة لكل الأمم مثلما كانت في بداية الإسلام ( أمّة الدعوة )، الأمة التي تتكلم بلغة القرآن هي المسئولة عن نهضة الأمة الإسلامية وبدونها لن تتحقق، وتمييز الأمة العربية هنا هو تمييز تكليف لا تشريف.

مفهوم الانتماء في الإسلام

لابد لنا أن ندرك شيئا هاما هو أن الإسلام يعترف بالقوميات و الأعراق والانتماءات القبلية ولا يلغيها، فهي طبيعة البشر ""يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ، ولكنه يضعها في اطار محدد ويهذبها ويوظفها بحيث لا تتحول إلى العصبيات أو التمييز العرقي، فلا يكون التمييز بسبب اللون أو الجنس ولكن يكون على أساس التقوى"إن أكرمكم عند الله اتقاكم" و"لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى"، فمعيار التفضيل الوحيد هنا هو الإيمان، ولكن يظل العربي عربي والأعجمي أعجمي بحكم الاختلاف وليس هذا تمييزا ولا حطا من شأن أحد، بل كان الإسلام يستغل الانتماءات والروابط القبلية والعشائرية والأسرية في مجال التنافس لتحقيق المصلحة، ففي بعض الأحيان كان يتم استغلال العصبيات في القتال والحمية في الغزوات فتعقد راية لكل قبيلة يقاتلون تحتها دفعا للتنافس، بل كان يعقد راية للهاجرين وراية للأنصار، وكان ينزل المهاجرين والأنصار منازل مختلفة، ولا يمكننا أن نقول أن الرسول كان يفرق بينهم بل كانت هذه الدعوى لجذب انتباههم وحثهم على أمر ما، ولقد عرفنا "بلال الحبشي" و"صهيب الرومي" و "سلمان الفارسي" دون أن يكون هناك تعصب أو تمييز مع عدم إلغاء هوياتهم، ودليلا على أن الإسلام يستوعب كل الأجناس والقوميات في نسيج واحد للأمة.

في الحديث الشريف: عن أنس بن مالك . قال : افتتحنا مكة . ثم إنا غزونا حنينا . فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت . قال : فصفت الخيل . ثم صفت المقاتلة . ثم صفت النساء من وراء ذلك . ثم صفت الغنم . ثم صفت النعم . قال : ونحن بشر كثير . قد بلغنا ستة آلاف . وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد . قال : فجعلت خيلنا تلوى خلف ظهورنا . فلم نلبث أن انكشفت خيلنا ، وفرت الأعراب ، ومن نعلم من الناس. قال : فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يال المهاجرين ! يال المهاجرين ". ثم قال " يال الأنصار ! يال الأنصار ! " . قال : قال أنس : هذا حديث عمية. قال : قلنا : لبيك . يا رسول الله ! قال : فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فايم الله ! ما أتيناهم حتى هزمهم الله . قال: فقبضنا ذلك المال . ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة . ثم رجعنا إلى مكة فنزلنا . قال : فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الرجل المائة من الإبل. ثم ذكر باقي الحديث. كنحو حديث قتادة، وأبي التياح، وهشام ابن زيد .رواه مسلم

بينما على الجانب الآخر كان الإسلام يرفض أن تكون القوميات بابا للشعوبية والتعصب للنعرات وأن تكون سببا في تفريق الأمة ، وهناك حديث معروف عن الصحابيان اللذان اختلفا على بئر فنادى أحدهم ياللأنصار ونادى الآخر ياللمهاجرين، وكان رد الرسول صلى الله عليه وسلم أنها دعوى الجاهلية، وكذلك عندما عير أحد الصحابة رجلا آخر بأمه السوداء فقال له النبي أنك أمرؤ فيك جاهلية

ففي الحديث الشريف: عن جابر بن عبد الله:"كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة . فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار. فقال الأنصاري: يا للأنصار ! وقال المهاجري : يا للمهاجرين ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم . " ما بال دعوى الجاهلية ؟ " قالوا : يا رسول الله ! كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار . فقال " دعوها . فإنها منتنة " فسمعها عبدالله بن أبي فقال : قد فعلوها . والله ! لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال " دعه. لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه". رواه مسلم

والحديث الآخر: مررنا بأبي ذر بالربذة . وعليه برد وعلى غلامه مثله . فقلنا يا أبا ذر ! لو جمعت بينهما كانت حلة. فقال : إنه كان بيني وبين الرجل من إخوتي كلام . وكانت أمه أعجمية . فعيرته بأمه . فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم . فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم . فقال ( يا أبا ذر ! إنك امرؤ فيك جاهلية ) . قلت : يا رسول الله ! من سب الرجال سبوا أباه وأمه . قال ( يا أبا ذر ! إنك امرؤ فيك جاهلية . هم إخوانكم . جعلهم الله تحت أيديكم . فأطعموهم مما تأكلون . وألبسوهم مما تلبسون . ولا تكلفوهم ما يغلبهم . فإن كلفتموهم فأعينوهم ). رواه مسلم

الخلاصة: الإسلام لم يلغ الانتماءات والروابط الأسرية أو العشائرية أو القبلية أو المجتمعية، والشعور بالانتماء لمكان ما أو لقوم ما هو أمر طبيعي في البشر، ونحن نقر هذه الانتماءات مادامت لا تخالف ثوابت الإسلام أو تدعو إلى عصبية أو إلى موالاة اعداء الإسلام ولا تكون سببا في تفريق الأمة.

ترتيب الانتماءات

خلصنا إلى أن حب الأوطان والأهل والانتماء إليها هو من طبيعة البشر ولا ضير في ذلك، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم عن مكة "والله إنك أحب بلاد الله إلى الله وأحب بلاد الله إلى قلبي" ،الرسول صلى الله عليه وسلم يحب مكة لأنها أحب البلاد إلى الله، وكذلك يحبها لأنها أقربها إلى قلبه والتي نشأ فيها هو أمر فطري في البشر.

إن ترتيب الانتماءات يكون بناء على أمرين الأمر الأول هو: ادراك طبيعة الحياة ومحور الصراع وهو الصراع بين الحق والباطل هو الذي يحدد الانتماء والولاء (وهو مرتبط بمفهوم الولاء والبراء)، والأمر الثاني هو أن مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة الأكبر مقدمة على مصلحة الجماعة الأصغر.

فترتيب الانتماءات وفقا لهذه الرؤية فهو يكون كالتالي: الإٍِسلام ثم القومية ثم الشعب ثم العائلة أو القبيلة ثم الأسرة، أو بمعنى أشمل يكون من الانتماء الأوسع إلى الانتماء الأضيق، وانتمائي للاسلام لا يلغي انتمائي للعروبة، لأن الأمة العريبة جزء من الأمة الإسلامية، وكذلك انتمائي للعروبة لا يلغي انتمائي لمصر أو للجزائر أو للعراق أو لسوريا مثلا، لأنهم أجزاء من الأمة العربية، وانتمائي لمصر لا يلغي انتمائي لمحافظة الجيزة أو الشرقية أو الغربية أو الصعيد مثلا وانتمائي للمحافظة لا يلغي انتمائي لعائلتي ثم لأسرتي.

تعارض الانتماءات

نعرف جميعا أنه في الغزوات الأولى في اللإسلام قد حدثي مواجهات بين أبناء القبيلة الواحدة (قريش) وهناك بعض الصحابة ممن وقف في مواجهة أبيه أو اخيه أو عمه فهل هذه خيانة لأسرته أم أنه الولاء للحق والبراء من الباطل؟

فعندما تتعارض هذه الانتماءات لأي سبب، فالأمر الطبيعي والمنطقي أن نقوم بتفضيل الأنتماء الأوسع دائما، فلو تعارضت مصلحتي الشخصية مثلا مع مصلحة أسرتي فقد اتعرض للضرر وأقبله بل وأضحي بنفسي من أجل أسرتي، وقد تتضرر أسرتي من أجل عائلتي أو محافظتي أو وطني أو أمتي.

وقد تثار أسئلة أخرى تنويعا على السؤال الأول مثلا يقال: ماذا لو تعارضت مصلحة المسلم غير المصري أو العربي مع مصلحة غير المسلم المصري أو العربي فهل يكون انتمائك لمصريتك ولعروبتك أم لإسلامك؟ أو من هو اقرب إليك المسلم الأجنبي أو غير المسلم الشريك في الوطن؟

فاجابة السؤال بسيطة للغاية وهي الحديث الشريف "انصر اخاك ظالما او مظلوما" وظالما هنا بدفعه عن الظلم الذي بفعله، فالإسلام يأخذ موقف مضاد ضد الظلم أيا كان الظالم والمظلوم وأيا كان دينهم أو عرقهم، فالإسلام يأخذ جانب المظلومين والمستضعفين دائما، وهذا هو جوهر الصراع بين الحق والباطل وبين العدل والظلم.

للحديث بقية ان شاء الله في الجزء الثاني: هل نحن بحاجة لمشروع عربي؟