٠٦‏/٠٣‏/٢٠١٢

الرئيس القادم

بداية أود أن أقول أن هذا المقال ليس دعوة للتشاؤم أو اليأس، ولكنه محاولة لفهم ما قد يحيط بنا من أخطار وتحديات، حتى نعرف جيدا طبيعة المرحلة القادمة ونستعد لمواجهتها، لا أن نغرق في أحلام الخلاص الوردية.

هذا المقال موجه في الأساس إلى الطليعة الثورية التي تدرك طبيعة الصراع، وتدرك أن الثورة أكبر من أسقاط حاكم أو عصابة حاكمة، بل هي تغيير منظومة اجتماعية اقتصادية سياسية ثقافية تربوية بالكامل، وتضعنا على خط المواجهة مع العدو الأساسي الذي كان يشكل هذه المنظومة بمعرفته ويحافظ عليها، وتدرك أن اسقاط مبارك ونظامه هو مجرد البداية.

نبدأ من مشهد زحف الجماهير إلى القصر الجمهوري وبيان تنحي مبارك، ثم تولي المجلس العسكري السلطة ووعده بتحقيق اهداف الثورة، ثم فيما بعد ظهور وجهه القبيح واصراره على اعادة انتاج النظام بصورة أخرى جديدة، ورضوخه في بعض الأحيان لبعض المطالب تحت الضغط الشعبي، وتمسكه بعدم عمل أي تعديلات جوهرية على النظام وخصوصا فيما ما يتعلق بالأجهزة الأمنية، ثم انتخابات مجلس الشعب الذي سيطرت عليه التيارات الإصلاحية الإسلامية، والتي بدت راغبة في عدم الصدام مع المجلس العسكري، وعلى استعداد للتفاهم حول المرحلة الانتقالية، ثم أخيرا بعد الضغط الشعبي، قرار فتح باب الترشيح لانتخابات رئيس الجمهورية.

وقبل أن أتحدث عن الرئيس القادم، أرى أن نضع بعض النقاط على الحروف.

أولا:الأداوت التي تستخدمها أمريكا للعب في مصر:

1- أمن الدولة (أو الأمن الوطني) وهو يمتلك جيوشا من المخبرين السريين والبلطجية.

2- قطاع من جهاز المخابرات وهو يملك الكثير من مفاتيح البلاد.

3- بعض أطراف المجلس العسكري.

4- بعض السياسين المعارضين من الذين كان يتم اعدادهم وتلميعهم ليصبحوا رجال المرحلة.

5- رجال الأعمال وبقايا النظام السابق الذين لم تطالهم المحاكمات (أو من يطلق عليهم الفلول).

ثانيا: أدوات الثورة:

1- الزخم الثوري في الشارع، وإن كان قد قل بدرجة كبيرة ولكنه من المتوقع عودته مع انتخابات الرئاسة، ويعاب عليه أنه غير محدد المعالم ولا الأهداف ولا المشروع.

2- الرموز والتنظيمات والحركات الثورية الليبرالية واليسارية، وهم ليسوا أصحاب تأثير كبير في الشارع، ولكنهم يحظون بدعم كبير من الإعلام.

3- التنظيمات الثورية الإسلامية، وهي للأسف مازالت في مرحلة ترتيب الصفوف، ولكنها تبدو لي الأقرب في فهم الواقع وتحديد الأهداف.

فماذا عن الرئيس القادم؟

- أمريكا لن ترغب في وجود رئيس ثوري أو مؤيد للثورة، ولكنها في مثل هذا الوقت الحرج لن تسعى لإسقاطه وتخاطر بما تبقى من النظام في مصر، وربما تسعى إلى تقييده والقضاء على أحلامه، بالقيود الدولية والديون والمعونة العسكرية والواردات الاقتصادية أهمها القمح، بينما الشعب المصري يرغب في رئيس يحقق آماله في تحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء على الفساد وعودة مصر إلى ممارسة دورها الإقليمي والتاريخي.

الآن صارت لدينا صورة عن أغلب المرشحين الذين لديهم فرص كبيرة في الفوز، ما لم يتم الدفع بالمرشح "السوبر" في آخر لحظة، فلدينا، "حازم صلاح أبو اسماعيل" وهو ذو خلفية إسلامية ثورية، و"عبد المنعم أبو الفتوح" وهو ذو خلفية إسلامية "اخوانية" مع بعض التطورات في الخطاب، وأيضا "حمدين صباحي" وهو ذو خلفية ناصرية قومية، بينما على الجانب الآخر هناك "عمرو موسى" وزير خارجية مبارك ومهندس أتفاقية أوسلو، والذى كان يظهر في صورة "الصقر" المعادي للسياسات الصهيونية، حتى تولى رئاسة جامعة الدول العربية، و"أحمد شفيق" الذي يتمتع بخلفية عسكرية، وأحد رموز النظام السابق ايضا، بل ورئيس الوزراء وقت الثورة، وهناك أنباء عن احتمال ترشح "عمر سليمان" رجل المخابرات القوي وذراع مبارك الأيمن وصديق أمريكا والكيان الصهيوني وأستاذ عمليات التعذيب بالوكالة.

نحن إذن أمام ثلاثة سيناريوهات:

الأول: الفوضى ما قبل الانتخابات، ولا أظن أن أمريكا ولا المجلس العسكري يدعمان هذا السيناريو، ولكن الأمن الوطني يعرف أن في تولي الإسلاميين نهايته، حتى لو كان الرئيس القادم مقيدا، فإن أول ما سيسعى إليه القضاء على هذا الجهاز أو انهاء فعاليته على أقل تقدير، ولكن مازال هناك أمل في نجاح أحد مرشحي النظام السابق، وعندها تعود الأمور إلى نصابها، فالأرجح أن تنتظر جميع هذه الأطراف حتى ظهور نتيجة الانتخابات.

والثاني: في حالة فوز أحد مرشحي النظام السابق (شفيق أو موسى أو سليمان) يظل كل شيء كما هو عليه، وسوف تتم علمية استكمال اعادة انتاج النظام القديم مع بعض التحسينات الظاهرية، وهو الخيار الأمثل لأمريكا ولكل الأطراف التي تقف معها في نفس المعسكر، أما في حالة فوز مرشح ثوري أو من مؤيدي الثورة (صباحي أو أبو الفتوح أو أبو اسماعيل) -وبافتراض نزاهة الانتخابات طبعا- فالمتوقع هو سيناريو مروع من الانفلات الأمني، يجعل ما حدث من انفلات في أثناء الثورة لا قيمة له، وقد شاهدنا تجارب حية في الفترة السابقة، من عمليات سطو مسلح وخطف وترويع واغتيالات سياسية، هذا السيناريو برغم صعوبته وقتامته، فإنه لا يدوم طويلا، فسوف تنحاز العناصر الوطنية المتبقية داخل الجيش الشرطة والمخابرات للشعب وتعمل على انهاء الفوضى وتعاونها في ذلك التيارات والحركات الثورية وسوف يكون هناك دورا كبيرا للحركات الإصلاحية الإسلامية (الاخوان والدعوة السلفية)، وسيكون النصر لمن لديه القدرة على الصمود أكثر، ولمن يستطيع تنظيم صفوفه وتنظيم حالة الفوضى ، هذا السيناريو أيضا لا تدعمه أمريكا ولا المجلس العسكري.

السيناريو الثالث: وهو القبول بأي فائز، وذلك بأن يتم الانتهاء من الدستور قبل انتخابات الرئاسة، ويكون هذا الرئيس ذو صلاحيات محدودة لا يملك القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية تغير من شكل النظام أو تهدد مصالح المؤسسة العسكرية أو مصالح أمريكا في مصر، هذا الخيار هو الأقرب لأمريكا والأقرب للمجلس العسكري بل والأقرب للاخوان أيضا، ثم تأتي المرحلة التالية التي سوف تحدث رغما عن الاخوان، وهي مرحلة "تدجين" الرئيس و"تركيعه" بالمعنى الحرفي للكلمة، حتى يكون خادما مطيعا في يد أمريكا والمجلس العسكري وأمن الدولة، ثم يتم استخدامه للإطاحة بكل الحركات والتنظيمات الموجودة بما فيها "الاخوان المسلمين"، وسوف يكون عهدا جديدا من "الديمقراطية" الوهمية والحرية الزائفة، وهو السيناريو الأخطر على الاطلاق في وجهة نظري.

ربما كنت متشائما وربما كان تحليلي هذا كله خاطئا، ولكن النتيجة التي أود أن اصل إليها، أن الطريق طويل وصعب وشاق، وأن انتخاب رئيس جمهورية ثوري وطني سوف يكون أصعب من الإتيان برئيس على هوى أمريكا والمجلس العسكري وأمن الدولة والفلول، وإن مشوار بناء مصر وتحقيق استقلالها سوف يكون شاقا للغاية، وسوف تحيطه الأخطار من الداخل والخارج، وسوف نبذل فيه الدماء الكثيرة، وأن الإيمان بالله هو مفتاح النصر، وأن الثبات على الموقف مهما كان الثمن سوف يكون أكبر سلاح في أيدينا، فهل نقبل التحدي؟