٠٤‏/٠٧‏/٢٠١٢

عن الحرية والاستعباد والإسلام

عندما يكون معيار تقدم الأمم أو تأخرها هو مدى تقدمها الصناعي والتكنولوجي ومتوسط دخل الفرد ونسبته من الناتج المحلي (وكل المعايير المادية المعروفة)، مع إهمال المستوى الثقافي والفني والروحي، تكون حساباتنا مادية صرفة لا تعترف بكون الإنسان إنسانا، بل تعتبره إداة من أدوات الإنتاج أو آلة من الآلات المستخدمة، ونكون قد استعبدنا الناس وحولناهم لآلات وسلبنا حريتهم التي وهبهم الله إياها.

فالأنظمة المادية تستعبد الناس وتسلب حريتهم بطرق مختلفة، منها السيطرة على الوعي وتزييفه إما بالجهل أو الخوف، ومنها السيطرة علي الإنسان بشهواته وحبه للمال والترف وإغراقه في المتع المادية، أو النقص في حاجاته الأساسية (المأكل والسكن والملبس)، فيصبح عبدا لدى النظام الذي يعطف عليه، ومنها استخدام القوة لقمع الناس واخضاعهم للسلطة.

ويعد نموذج السيطرة على الوعي وصناعة وعي مزيف لدى الناس هو أخطر النماذج، ويكون السلاح الأساسي المستخدم فيه هو الإعلام، وعن طريق الإعلام المرئي والمسموع وبث الإشاعات وصنع الأكاذيب واختلاق الأعداء، مستغلا في ذلك جهل الناس أو خوفهم من خطر ما (ربما يقوم النظام بصنع ذلك الخطر)، يمكن للإعلام أن يزيف وعي الناس لفترة طويلة، والأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة، أشهرها نموذج ألمانيا النازية في الأربعينيات، وكان وزير الإعلام أنذاك جوزيف جوبلز، الذي أصبح فيما بعد أحد علامات التاريخ في صناعة الوعي المزيف، وكانت من أشهر مقولاته: "اكذب حتى يصدقك الناس" وهي جملة لها دلالة كبيرة، وكذلك كان يقول: "كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسى" وهي أيضا لها دلالة كبيرة على أهمية السيطرة على الناس عن طريق تجهيلهم.

مثال آخر في الولايات المتحدة الأمريكية، وما فعتله لاحتلال العراق عسكريا، وكيف استطاع الإعلام الأمريكي صناعة العدو والخطر الرهيب من لاشيء، وكيف تم تجهيل الشعب الأمريكي واختلاق عدو وهمي – متمثلا في النظام العراقي- يملك أحدث الأسلحة البيولوجية والكيماوية ويمثل الخطر على أمريكا، ولا مانع من ربط هذا النظام بتنظيم القاعدة، العدو الأكبر لأمريكا، وكلنا نذكر كيف قام كولن باول- وزير الخارجية آنذاك- بعرض صور لمواقع أسلحة وقواعد عسكرية في العراق، وكيف تم الترويج لهذه الكذبة في الإعلام الأمريكي – الذي يعد الابن البار للطريقة "الجوبلزية"- وكيف استطاع أن يحشد الناس وقتها ويقنعهم بضرورة القيام بضربة عسكرية على العراق، الذي كان يعاني من الحصار أكثر من عشر سنوات، وكانت قوته العسكرية متأخرة بعشرات السنين، وكانت تمنع عنه أقلام الرصاص وبعض أدوية القلب خوفا من استخدامها من تصنيع الأسلحة والمتفجرات.

وإذا كنت هذه الانظمة تحمل رؤية مادية بحتة تتمثل في السيطرة والاحتلال وزيادة الانتاج والثروات، فإن الإسلام برؤيته "الإنسانية" غايته هي تحرير الإنسان من أي سيطرة أو سلطان مادي أو معنوي، بحيث لا يكون عبدا سوى لله سبحانه وتعالى، ويبدو ذلك واضحا في مقولة الصحابي الجليل ربعي بن عامر لقائد الفرس: "جئنا لاخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام"، فالإنسان إذا كان مستعبدا فإنه لا يكون حرا في اختياراته، ولأن الحرية شرط أساسي في محاسبة الإنسان، فلا محاسبة عن الإكراه أو الاضطرار، فكان الهدف الرئيسي في نشر الإسلام هو تحرير الناس، معنويا بتحرير عقولهم من سيطرة رجال الدين أو الكهنة أو أكاذيب الحكام، ومن خوفهم من بطش السلطة، أو بتحريرهم ماديا بتوفير كل حاجاتهم الأساسية من مأكل وملبس ومسكن وتعليم وعلاج وعمل، وأن يكون توفير هذه الحاجات الأساسية من واجبات الحاكم، حتى تتحقق لهم حريتهم الكاملة، وعندئذ تكون اختياراتهم حرة نابعة من ارادتهم، دون أي ضغط أو استغلال حاجة أو استعباد، ولهذا شرع الجهاد، الذي هو في الأساس موجه لتحطيم الطواغيت والسلاطين الذين يظلمون الناس أو يكرهونهم أو يعبدون الناس لهم أو يسلبونهم حريتهم، وتحطيم أي حاجز بين الناس وبين ربهم، فالجهاد هدفه تحرير الإنسانية، ونشر رسالة الإسلام في تحقيق الحرية والعدل والكرامة وإعمار الأرض وفق شريعة الله، ونقل الناس من "عبادة العباد إلى عبادة رب العباد" وهذه هي الحرية في أسمى معانيها.

وتحقيق الحرية للناس بهذا المفهوم، أو "تمكينهم" من حريتهم بمعنى أوضح، هو المعيار الأساسي للحكم على تقدم الأمم، فكلما كانت الشعوب حرة أمكنها ان تنقدم في كافة المجالات المادية والعلمية والثقافية، وكلما كانت اختيارات الناس نابعة من إرادتهم الحرة كانت التجربة أكثر "إنسانية"، ومهما كان التقدم المادي لبعض الأمم، فمادامت لا تسعى لتحرير الناس كغاية نهائية، فسوف يتنقل الناس بين أطوار مختلفة من العبودية للمادة، وسوف يتحول البشر إلى ماكينات لاهم لها سوى زيادة الإنتاج والتطور المادي والتكنولوجي، وسوف يفقد الإنسان "إنسانيته" ويتحول إلى آلة منتجة كل همها كسب النقود وتحقيق المتع المادية.