27‏/10‏/2014

عن العزلة الشعورية


هل شاهدت يوماً فيلم أو مسرحية كوميدية وسط الجماهير وظللت تضحك طوال العرض، ثم شاهدت نفس العرض فيما بعد بمفردك فتساءلت في نفسك كيف ضحكت كل هذا الضحك؟ هل تواجدت يوماً وسط جمع من الجماهير في مبارة لكرة القدم فوجدت نفسك تستجيب لكل انفعالاتهم من غضب وحماس وفرحة؟ هل كنت يوماً في فرح أو مناسبة سعيدة فوجدت نفسك دون أن تشعر تندمج مع الحضور وتصفق وتتمايل في سعادة؟ لا تستغرب إنه "تأثير الجمهور". هذا التأثير هو الاندماج مع الحالة السائدة في جمع كبير الناس، ويستخدمه الاعلام منذ زمن في التأثير على الناس عاطفياً، سواء بالسلب أو بالإيجاب، وله أثر كبير في تحديد خياراتك وواقعك.

ما علاقة كل ذلك بـ"العزلة الشعورية"؟ بل ماهو معنى هذه الكلمة أصلاً؟

الحقيقة أن أول تعرفي بهذا التعبير كان في كتابات "سيد قطب"، ولقد تأثرت بهذه الفكرة تأثراً كبيراً كان له بالغ الأثر في تعاملاتي الحياتية ومفهومي عن التعامل مع الناس، إن "العزلة الشعورية" تعنى أن يكون لك مقياسك الخاص في الحكم على الأمور، وألا تنجرف مع مشاعر المحيطين بك  بدون تفكير، أو تنغمس في الحالة المسيطرة على المجتمع، أو تستجيب لإعلام الطغاة والطواغيت هو يتلاعب بمشاعر الجماهير، هي أن تضع حاجزاُ بينك وبين أي انفعال أو شعور أو رد فعل سوف تتخذه لا ارادياً وتمرره أولاً على ضميرك وعلى مرجعيتك ، أن يكون لك "فرقاناً" خاصاً تفرق به بين الحق والباطل "يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً"، وهي حالة لا تتكون إلا برفضك المنكر والسعي إلى تغييره في كل وقت، فإن لم تستطع فلتغيره بقلبك كما قال صلى الله عليه وسلم، والتغيير بالقلب هنا هو انكار هذا المنكر في داخلك وعدم تقبلك له وعدم مشاركتك فيه، والأهم من ذلك كله عدم اعتيادك له، فإن اعتدته فقد ضاع فرقانك وضاع مقياسك للحق والباطل، وغرقت مع من يغرقون في المعاصي والمنكرات بزعم أنه أمر "عادي" أو أن "كل الناس يفعلون ذلك" وأصبحت مرجعيتك هي ما يفعله الناس وما يعتادونه بدلا من أوامر الله ونواهيه.

لذلك فإنكارك للخطأ – أو المنكر بلغة الشرع- أمر ضروري حتى لو كنت تفعله، أن تجعل دائماً مقياس الله حاضراً في أفعالك لا مقياس البشر، أن يظل الحق والباطل واضحين لا نسبية فيهم، لذلك يفرق العلماء بين من يرتكب المعصية ضعفاً منه ومن يرتكبها استحلالاً لها، ومن يترك الفريضة معصية وبين من يتركها انكاراً، فالأول عاص أو فاسق بينما الثاني كافر، فقد انكر بقلبه وعقله ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وأصبح على دين غير الدين الذي أنزله الله سبحانه وتعالى، بينما الأول يعلم في قرارة نفسه أنه عاص ويعلم أن ما يفعله منكر ولكنه يفعله لضعف منه.

كل ذلك يأتي كمقدمة ضرورية لمن يريد أن يغير الواقع الذي يعيش فيه، فيجب أن عليه أولاً أن ينفصل شعورياً عن هذا الواقع ويضع ثوابته ومعاييره التي يزن بها الأمور بناء على أوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه، حتى يستطيع تغيير هذا الواقع وإعادته إلى مساره الصحيح، واختتم المقال بفقرة لسيد قطب في كتابه معالم في الطريق:
" إن مهمتنا الأولى هي تغيير واقع هذا المجتمع. مهمتنا هي تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه. هذا الواقع الذي يصطدم اصطدامًا أساسيًا بالمنهج الإسلامي، وبالتصور الإسلامي، والذي يحرمنا بالقهر والضغط أن نعيش كما يريد لنا المنهج الإلهي أن نعيش. إن أولى الخطوات إلى طريقنا هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته، وألا نعدِّل في قيمنا وتصوراتنا قليلاً أو كثيرًا لنلتقي معه في منتصف الطريق. كلا! إننا وإياه على مفرق الطريق، وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق".

23‏/10‏/2013

إلى عمر

كتبت في 14-10-2013

أخي العزيز عمر
اعرف انك لن تقرأ هذا الكلام، ولكني لا استطيع ان اتكلم عنك بصفة الغائب، فأنت حاضر في قلبي دوماً.. لا يمر علي يوم إلا وتذكرتك..

شهران كاملان مرا على رحيلك وأنا أحاول أن اكتب عنك ولكني لم استطع ..

مازال لساني معقوداً ومازالت عاجزاً عن الكلام والكتابة ولكني أدفع نفسي دفعاً لذلك..

كنت أتمنى أن اكون اديباً لأعبر عما في صدري ولكن للأسف لست كذلك..

أول مرة أراك فيها كانت في أوائل يناير 2013 في اليوم الذي اعددنا فيه قافلة للسفر إلى غزة، وشاء الله ألا أذهب مع القافلة لظروف شخصية، كان انطباعي الأول عنك هو أنك تخفي في داخلك أكثر مما تظهر بكثير، ولكني لم أتأكد من ذلك إلا بعد رحيلك، رأيت في عينيك ثقة واطمئناناً غريبين، كانا ملازمان لك دوماً..

بعد عودة القافلة كان الشباب يتكلمون عنك وعن أنك شخص طيب القلب لطيف المعشر، وقد أحبوك جميعاً..

التقينا مرات عديدة بعد ذلك ، كنت ألاحظ أنك لم تكن مهتماً بالاجتماعات واللقاءات، وكنت اظن ذلك نوعاً من عدم الانضباط يجب أن يعالج، وربما تكون الاهتمامات الدنيوية قد طغت عليك، لم أكن أعلم أنك مهموم بحال الأمة أكثر مني بكثير - وياريتني علمت - لم أكن أعلم أنك تعد نفسك للسفر إلى سوريا للجهاد وأن الانقلاب الذي حدث هنا في مصر قد دعاك لتغيير خططك..

لا زلت أذكر عندما ذهبنا في رحلة سويأ إلى "وادي دجلة"، واذكر عندما تولينا أنا وانت مسئولية التصوير وعندما اعطيتني هاتفك لأقوم بتصويرك، واذكر أنك كنت أقرأنا وأحفظنا للقرآن وكنت تصلي بنا إماماً، مازلت أذكر ذلك اليوم بكل تفاصيله، وقد احببتك كأنك أخي منذ ذلك اليوم..

لازلت أذكر عندما جاءتنا دعوة للقاء مرسي في قاعة المؤتمرات، وكانت مهمتي أن اتصل بالشباب لتشكيل وفد منهم، وكان ما أعرفه أنه لقاء لمرسي مع القوى والأحزاب الإسلامية، وعندما اتصلت بك تحفظت ورفضت بشدة لأنك ترفض أداء مرسي والأخوان وترى أنهم مخطئون، وقلت لي بالنص "أنا ماليش في الحاجات دي"، حتى عندما طلبت منك أن تخبر الشيخ هاشم والدك بالأمر توفيراً للوقت، اعتذرت عن ذلك وطلبت مني أن أبلغه بنفسي.. وأذكر جيداً أن هذا الموقف كان بالغ الأثر في نفسي وأنني بعد الحديث الذي دار بيني وبينك قررت ألا أذهب، ثم شاء الله أن ارتبط بظروف عائلية تمنعني من الذهاب.. وسبحان الله كأن قلبك رأي ما حدث، لقد كان اللقاء اشبه بمسرحية هزلية، وكان انطباع أغلب من ذهب من الشباب سلبياً ..

اذكر حين كنا في اعتصام النهضة – ليلة مجزرة الحرس الجمهوري – وقد رأيناك صدفة في الاعتصام ولم نكن نعلم بوجودك، ولم نعلم بعد ذلك أنك مقيم بشكل شبه دائم هناك..

وبعد فض الاعتصام اتصل بي محمود ليخبرني بأننا قد فقدنا الاتصال بك ولا نعرف عنك شيئاً، كنت أبحث عنك في الأسماء التي تنشر على الانترنت وأدعو الله أن نجدك، ثم توقفت عن البحث خشية أن اجد اسمك في قوائم الشهداء.. في ذلك الوقت كانت تتردد إشاعة أن هناك آلاف المعتقلين في استاد القاهرة وكنت أتمنى أن تكون منهم، وكنت أمني نفسي بذلك ..
وبعد ثلاثة أيام اتصل بي أحمد الكردي وهو يبكي، لم أكن أفهم منه شيئاً ولكني سمعت اسمك فاستنتجت على الفور، واتصلت بمحمود وعرفت منه أن والدك في الطريق إلى المشرحة للتعرف عليك، وظللنا نتابع الموقف حتى تأكدنا من صحة الخبر، عندها سلمت بالأمر وجلست أبكي..

عرفت بعد ذلك أن السفاحين قد قتلوك حرقاً وأن والدك وأختك تعرفوا عليك بعلامات في جسدك وبالخاتم الذي كنت ترتديه، كانت مشاعري مختلطة بين الغضب على ما فعلوه بك، وبين الحزن على فراقك، وبين الراحة لأننا وجدناك..
اذكر عندما وقف الشيخ هاشم - ثبته الله – يقرأ وصيتك، وكيف أنني عرفت عمر الآخر الذي لم أكن أعرفه..

اذكر عندما خرج النعش من المسجد ووضع في السيارة انفجر أغلبنا في البكاء..

اذكر جنازتك التي لم أر مثلها في حياتي، لا استطيع أن أصفها إلا كما وصفتها من قبل " الأم تزغرد .. الأب يوزع الشربات ويقول: "لا تعزوني بل هنئوني".. الأقارب والأصدقاء يضربون أبواق سياراتهم من امبابة وحتى 6 اكتوبر وكأنها "زفة عريس"، ويخرجون أيديهم من السيارات إما حاملين للمصاحف أو مشيرين بإشارة "رابعة".. وكلما تهدأ السيارات يهتف أحدهم "زفوا العريس" فتنطلق الأبواق ثانية .. وعند الوصول لصلاة الظهر في جامع الحصري تتحول إلى مظاهرة حاشدة تهتف بسقوط حكم العسكر" ..

صدقت الله فصدقك يا عمر..
رحمك الله يا أخي وأنزلك منازل الشهداء وألحقنا بك على خير..

وصية الشهيد - بإذن الله - عمر هاشم
 

الإسلاميون الماديون

كتبت في 24-6-2013


ترددت كثيراً في كتابة هذا المقال، خوفاً من أن يساء فهمه أو يتم استغلاله في حالة التراشق الموجودة الآن بين الإسلاميين وغيرهم، أو حتى بين أبناء التيار الإسلامي بعضهم البعض، ولكنني أجد ضرورة في طرح هذا الكلام كنوع من النقد الذاتي.

لا أقصد بالإسلاميين هنا المشتغلين بالسياسة – كما هو دارج- ولكن أقصد المعنى الأوسع، وهو الذي يشمل العاملين بالدعوة والعاملين بالسياسة وكل المتدينين – أو الملتزمين كما يطلق عليهم.

 والمقصود هنا بالعنوان هو ظهور الكثير من الأعراض المادية على هؤلاء "الإسلاميين"، تؤدي ببعض إلى "علمنة" الدين وتبني بعض المفاهيم الغربية عن طريق أسلمتها (اضفاء طابع إسلامي عليها في المظهر فقط)، قد يبدو ذلك في تبني الأساليب والأدوات الرأسمالية في السيطرة على الجماهير أو التواصل معهم، ولكن هذا أمر هين يمكن تلافيه في حالة التخلص من تلك الأعراض المادية، وسأحاول هنا استعراض بعض تلك الأعراض،وهي موجودة بعضا أو كلها عند الكثير من الإسلاميين بمختلف مناهجهم ومدارسهم – ولا أبرئ نفسي- لذا فانا لا أسعى هنا إلى اسقاط الكلام على تيار محدد أو حزب معين لانها ظواهر عامة موجودة فينا كلنا بشكل أو بآخر، وأرجو ألا يقوم أحد بذلك الاسقاط.

الرأسمالية/ الاستهلاكية: نعيش الآن حالة من طغيان الفكرة الرأسمالية الاستهلاكية في كل جوانب حياتنا، في الممارسات السياسية والاقتصادية بل وحتى الدعوية.

في الجانب السياسي نجد أن البراجماتية واستغلال الفرص والمداهنة وتقديم التنازلات أصبحت سمة عامة لكثير من الإسلاميين، يعتبرونها ضرورة للعمل السياسي، وتبني المفاهيم الديموقراطية اللبيبرالية ومحاولة أسلمته وشرعنتها.
اما في الناحية الاقتصادية، فنجد مثلاً أشهر المحلات الاستهلاكية (الطعام والملابس وغيره) أصحابها من الإسلاميين، وربما كان الأمر مبرراً قبل الثورة في مصر بسبب الضغوط الأمنية، ولكنني بعد الثورة وبعد وجود رئيس "إسلامي" في الحكم، لم أجد أحداً من هؤلاء من يتبنى مشاريع صناعية أو انتاجية، بل قام البعض بافتتاح سلاسل محلات "هايبر ماركت" ضخمة تزيد من الحالة الاستهلاكية الرأسمالية.

لا أريد أن أسهب في هذه النقطة، ولكن اكثر ما يضايقني هو تسلل هذه الحالة للمجال الدعوي، مثل الحديث عن "عداد الثواب" وكيفية تحويل كل سكنة وحركة إلى رصيد من الحسنات، و"كيف تحصل على مليار حسنة وانت جالس في مكانك"، باعتبار أن هناك حساباً جارياً لتجميع هذه الحسنات، وان كل مهمة الإنسان في الأرض أن يحصل على أكبر قدر من الحسنات لتكون أكثر من سيئاته يوم القيامة، كل ذلك في تجاهل تام أن الله سبحانه وتعالى هو من يتقبل العمل وهو من يحتسب الحسنات وهو من يضاعفها لمن يشاء، وأننا ندخل الجنة برحمة الله سبحانه وتعالى وليس بأعمالنا، وقد تحول الأمر من شهوة جمع المال إلى شهوة جمع الحسنات، وقد تناولت هذا الموضوع بالتفصيل في مقال سابق "عايز تاخد ثواب ببلاش"


كل هذه ممارسات استهلاكية بامتياز، لا علاقة لها بالدين، ولا علاقة لها برسالة الإنسان في نشر التوحيد وإعمار الأرض، وتعبيد الناس لله سبحانه وتعالى.

التعلق بالأسباب: فالنصر لا يكون بعدد ولا بعدة، ودرس غزوة حنين يجب أن يظل حاضراً أمام أعيننا دائماً "لن نغلب اليوم عن قلة"، كل المطلوب هو الاتزام بالمنهج والإعداد والأخذ بالأسباب، قل العدد أو كثر، قلت الامكانيات المادية أو كثرت، فليس هذا هو المعيار، وقد ينصر المسلمون بالرعب "نصرت بالرعب مسيرة شهر"، وقد قال تعالى "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم".

الكهنوت: أسوأ ما يمكن أن يحدث للإسلام هو ذلك المفهوم، مفهوم "كهنة المعبد" الذين يملكون مفاتيح العلم وبالتبعية مفاتيح الجنة، بل ومفاتيح الدين نفسه، فهؤلاء "الكهنة" يصنفون الناس من حولهم، فهذا "ليس سلفياً" وهذا "من الخوارج" وهذا "ضال مغرر به" وهذا "في عقيدته دخن"، كل ذلك على المستوى الداخلي، أما على مستوى العامة، فلفظ "العامة" في حد ذاته يستخدم للدلالة على الجهل، واستخدام هذا اللفظ يستتبع استخدام لفظ "الخاصة"، وينتج عن ذلك تكون فئتين في المجتمع، "الخاصة" وهم كهنة المعبد وتلاميذهم، و"العامة" الدهماء الجهلاء الذين ليس لهم إلا أتباع أوامر الكهنة دون علم أو تفكير، وبذلك أصبح "صاحب العلم" أو "طالب العلم" يملك قدراً من الغرور والاستعلاء على بقية الناس، وبدلاً من أن يزيده علمه تواضعاً ورقة يزيده غروراً وتكبراً، فلا يخالط "العامة" ولا يتعامل معهم إلا في أضيق الحدود، وله مجتمعه الخاص الذي يعيش فيه منعزلاً عن بقية المجتمع، ويصبح مقياس الإيمان هو قدر علمك، برغم أن هناك علماء تسعر بهم نار جهنم في الآخرة بنص الحديث النبوي.

وقد يحل الدين في شخص "الكاهن" – معذرة لا استطيع أن استخدم لفظ عالم أو شيخ – ويصبح له تلاميذه من حوله الذين يقدسون كلامه وياخذونه دون مناقشة، بل وأحياناً يؤلون الآيات والأحاديث التي وردت في أمر ما لتتفق مع كلام "الكاهن"، ويترتب على ذلك أن يكون الولاء والبراء على الشخص بدلاً من المنهج، وأن اختلافك مع هذا الشخص هو دليل على جهلك والفساد في عقيدتك، حتى لو كنت تستدل في كلامك بآيات وأحاديث قرآنية، فأنت بالتأكيد شخص جاهل مغرر بك أو مؤول خبيث. بل ويمتد ذلك إلى "الملتزمين" الآخرين، فالشيخ "فلان" هو شيخ ضال وعلى خطأ دائماً فلا تأخذ عنه العلم، وتلاميذه هم الضلال بعينه فلا تخالطهم، وتكون المقولة المأثورة "قل لي من شيخك أقل لك من أنت"، وهو نفس أسلوب المادي للأجهزة الأمنية "الطاغوتية" في تصنيف الناس وقولبتهم، والشخص الذي لا يلتزم بمعلم أو شيخ معين لا ياخذ إلا عنه فهو شخص معيب و"لا شيخ له".

وليس ضرورياً أن يحل الدين أو المنهج في شخص، بل قد يحل في "حزب" أو "جماعة" أو "تيار" ولكن في النهاية يمكننا أن نحدد مجموعة من الأشخاص هم من يمثلون الدين على الأرض، وهي نفس النتيجة.

السلطوية: وهو مفهوم مرتبط بفهوم "الكهنوت"، فالشخص المصاب بهذا المرض دائماً ما تكون الحلول التي يقدمها لأي مشكلة حلولاً سلطوية، فالمنع والحجب والقمع والقوة دائماً الحل الأفضل، في حين أن هناك الكثر من القضايا يمكن معاجلتها بالرفق واللين، والأمثلة في السيرة النبوية كثيرة جداً.

أصحاب هذه الفكرة لا يختلفون عن أي ديكتاتور سفاح، ولديهم من الحجج والمبررات دائماُ ما يقوي موقفهم، ويرون دائماً ان مواقفهم تمثل الدين، لا تمثل اجتهاداً يمكن أن يخطئ ويصيب.

احتكار الحق: "فمن يختلف معي فهو على خطأ بالتأكيد، فأنا الصواب وأنا الذي امثل الحق والفهم الصحيح للدين"، وهو من نتائج الاغترار بالعلم والتحزب لفئة معينة، يضاف إلى ذلك عدم استساغة الاختلاف في فهم النص وفي تطبيقه.

الاختزال: تحويل الدين إلى مظهر، فاللحية والقميص والجلباب المقصر والنقاب والسواك هما أساس الحكم على مدى إيمان الشخص وتدينه، وهي أمور برغم أهميتها إلا انها ليست الدليل على قوة الإيمان، فالإيمان ليس كياناً مادياً ثابتاً، وليس رصيداً في البنك، بل هو يزيد وينقص بحسب حالة الشخص. ولكن اختزال الدين في "طقوس" معينة واعتبار من لا يفعل ذلك شخص "ضال" أو "ناقص الإيمان" يعتبر نوع من أنواع علمنة الدين، وأكرر ثانية أن هذا لا يعني رفضي لتلك المظاهر، بل انتقادي منصب في الأساس على اعتمادها كأساس للدين.

الكراهية المقدسة: حالة الاستعلاء بالعلم والاحتقار للأخرين ليس لها إلا نتيجة واحدة، وهي تكون طاقة كبيرة من الكراهية يجب أن توجه في اتجاه ما، وتكون هذه الكراهية هي المحرك الأساسي للأشخاص، يجب أن يكون هناك "آخر"، هذا الآخر نحمل له كل الكراهية والبغض، والرغبة في قتله وسفك دمه، هذا الآخر يختلف حسب الزمان والمكان والظروف التاريخية والسياسية، فتارة يكون "الكفار" وتارة "النصارى" وتارة "اليهود" وتارة "الشيعة"... إلخ
هؤلاء عندما يفكرون بتلك الطريقة المادية يغيب عنهم أمر هام جداً، أن هذا الآخر من الممكن أي يهتدي فجأة، ويصبح أخاً لنا، ومن الممكن أيضاً أن يتحول "أخ" إلى "آخر"، فما العمل في ذلك الوقت؟

نحن نكره الكافر لكفره وليس لشخصه، فإن آمن وتاب وأصلح فهو أخ لنا، وفي النهاية النفس البشرية مكرمة وغالية، واذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما مرت امامه جنازة ليهودي فقام لها احتراماً فتساءل الصحابة عن ذلك فقال لهم "أليست نفسا"، وأذكر أيضا عندما دمعت عينيه صلى الله عليه وسلم عندما مرت جنازة اخرى وقال: "نفس تفلتت مني إلى النار"، فالإسلام بعث رحمة "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، ورسالة الأمة أن تقوم بدعوة الناس كافة إلى التوحيد، وتحرص كل الحرص على هدايتهم  إلى الحق "لأن يهدي الله بك رجلاُ خير لك من حمر النعم"، فالكراهية هنا يجب أن توجه لمفهوم الكفر، والطاقة المحركة للإنسان ليست كراهيته للناس، بل إيمانه ورغبه في هداية الآخرين للحق.

مصلحة الدعوة: هذا المفهوم للأسف يتم استخدامه أسوأ استخدام، عندما تتجسد الدعوة في مجموعة من الناس (أو في شيخ) ويصبح التهديد لوجود هذه المجموعة تهديد لوجود الدعوة، وكأن الدعوة لا تقوم إلا بهؤلاء، وكأن  مطلوب دائماً من الدعاة أن يحافظوا على سلامتهم ويقدموا الكثير من التضحيات على حساب المنهج حفاظاً على مصلحتهم (التي هي مصلحة الدعوة من وجهة نظرهم)، والحقيقة أن هذا الأمر لا يستقيم مع المنهج في الأساس، فصاحب الدعوة معرض دائما للإيذاء والابتلاء، ومصلحة الدعوة تكون في صبره على هذا الابتلاء وصموده ضد التهديد والإيذاء، وأحياناً يكون موته في سبيل دعوته مصلحة للدعوة، ولنا في قصة الغلام في قصة أصحاب الأخدود أكبر مثال. فمصلحة الدعوة قد ترتبط أحياناً بمصلحة الداعية واحياناً اخرى تتضاد معها, ولكن هذا المفهوم يغيب للأسف بسبب تجسد الدعوة في أشخاص كما قلت سابقاً.

طبعاً يدخل في ذلك الأمر الكثير من سوء الاستدلال بالآيات والأحاديث وبعض مواقف السيرة، واسقاطها في غير مواضعها، والحديث عن حساب المصالح والمفاسد وحقن الدماء، والكثير من أقوال الحق الذي يراد به باطل.

ثنائية(المؤامرة/ الاضطهاد): وهي حالة متقدمة من البارانويا (جنون الاضطهاد) تتلخص في "كل شيء يحدث هو مؤامرة دنيئة تهدف للقضاء علي وعلى منهجي، وكل الأطراف تتآمر علي ليل نهار، كلهم خونة"، ولا أنفي هنا فكرة التآمر، أو فكرة أن دعوة الإسلام تحارب من أطراف متعددة، ولكن اختزال الظروف المحيطة في شكل مؤامرة، وعدم القدرة على فهم الواقع المركب، وعدم تناول هذه الظروف بالفهم والتحليل وفهم الدوافع والأسباب والنتائج تزيد من العزلة وتقوي حالة الشعور بالاضطهاد، وتدفع صاحب هذا العرض إلى اتخاذ قرارات وردود أفعال غير متزنة يخسر بها الكثيرين من المحيطين، وتدفعه إيضاً إلى عدم الاعتراف بأخطائه وتبريرها، فهو دائماُ ما يكون "مضطراً لهذا"، ودائماً ما يكون عصبياً ومتشنجاُ لأنه يرى أن الكل ضده، في حين أنه لو حاول الخروج من هذه الثنائية وحاول أن يفهم الواقع حوله ويفككه يمكنه أن يتفهم الكثير من المواقف حوله، ويمكنه أن يلتمس الأعذار، ويمكنه أن يعامل الناس بحسب قدراتهم وطاقاتهم، وعندها يكون أكثر قدرة لتفتيت التحالفات والمؤامرات الحقيقية التي تحاك حوله، ويكون اكثر قوة وصلابة وصموداً.

17‏/04‏/2013

الخطوات النهائية لاحتواء الثورة في سوريا


عامين مرا على الثورة في سوريا، لم استطع فيهما كتابة أي شيء عنها،اعترف أنني حاولت اكثر من مرة ولكن كانت محاولاتي تنتهي بالفشل دائما، ربما لو كنتأديبا أو شاعرا لاستطعت أن أعبر عما في داخلي وعما أشعر به، ولكني لم استطع.

ما دعاني للكتابة هذه المرة عن الثورة في سوريا هو اقتراب سقوط بشارالأسد، وبداية دخول مرحلة جديدة وهي مرحلة ما بعد بشار، وهي التي يستعد لها كل الأطراف، والتي سوف تشهد صراعاً حقيقياً على الأرض، ولكن قبل أن ندخل في تفاصيل هذا الصراع، فيجب أن نلقي نظرة على الوضع العام في الأمة العربية، فقد نجحت أمريكا (والنظام العالمي) في احتواء الثورات العربية في كل من مصر واليمن وتونس وليبيا، عن طريق فصلهم كل على حدة ثم تثبيت أنظمة يسهل التفاهم معها أو ترويضها، فالنظام الموجود في ليبيا على قدر كبير من التوافق مع أمريكا وأوروبا بسبب تدخل حلف الناتو في انهاء الصراع، بينما في اليمن تم استيعاب الثورة وتولى نائب الرئيس، وهو السيناريو الذي لم ينجح في مصر أو تونس، فوصل الاخوان المسلمون وحركة النهضة إلى الحكم في كلا البلدين، أو ما يمكن أن نسميه بالمدرسة الإصلاحية الإسلامية، ودون الدخول في تفاصيل معقدة يكفي أن نقول أن أمريكا تمتلك الأدوات القادرة على استيعاب هذه المدرسة وتذويبها في النظام العالمي والضغط عليها وترويضها، وهو ما يتم بشكل أو بآخر في الوقت الحالي عن طريق بعض أطراف المعارضة وعن طريق القوة العسكرية للجيوش، ربما في مقال لاحق يمكننا أن نحاول معاً تفكيك التكتيكات التي تم اتباعها لاستيعاب الثورات العربية بالتفصيل الممل، وكيف تم ضبط الإيقاع بشكل متزامن في أغلب هذه الأقطار، ولكن الآن فقط نحاول أن نرى المشهد العام.

لماذا تأخر الحسم كل هذا الوقت في سوريا؟ المشكلة الأساسية في سوريا هي عدم وجود بديل لنظام بشار يسهل التفاهم معه أو ترويضه، والمشكلة الأخرى هي وجود طرف لا يقبل بسقوط بشار بأي ثمن (ايران)، وطرف آخر (روسيا والصين) يرى أن ما يحدث في سوريا هو صراع بينه وبين أمريكا على مناطق النفوذ، العامل الأول - عدم وجود بديل- كان سبباً في بطء ردود الأفعال الأمريكية والأوروبية، وذلك لحين تكوين"رأس" أو قيادة للثورة تتمتع بقبول شعبي وفي نفس الوقت يمكن التفاوض معها واخضاعها، وأيضاً في عنف نظام بشار الشديد واشتداد المعارك تدمير لجزء كبير من البنى التحتية في سوريا، يجعل من نظام بشار - إن نجا -  لا يشكل أي مقاومة أو اعتراض، ويجعل من قوى الثورة – اذا استلمت السلطة – في حاجة للدعم الاقتصادي وإعادة الإعمار، وكذلك تنشغل بمشاكلها الداخلية مما يحفظ أمن الكيان الصهيوني، وهو ما يدفع أمريكا وأروربا للسكوت عن الدعم الإيراني/ الروسي/الصيني المادي والعسكري – كما ذكرت في السابق - لإطالة عمر النظام قليلاً لحين ايجاد قيادة بديلة، ولانهاك البلاد من حيث البنية التحتية والاقتصاد.

العامل الثاني – الموقف الإيراني الروسي الصيني - كان مانعاً يحول بين التدخل العسكري لحلف الناتو وحسم الأمور بمنتهى السرعة، فأي تدخل عسكري أجنبي في سوريا قد يؤدي إلى حرب إقليمية تدخل فيها أطراف كثيرة، وقد يؤدي إلى حالة رهيبة جداً من الفوضى التي لا يمكن السيطرة عليها.

للأسف تم استخدام الاخوان في مصر كأحد أدوات احتواء الثورة في سوريا، وذلك بعد أن تم استخدام المجلس العسكري في احتواء الثورة في ليبيا، فمصر الثورة كان من المفترض أن تخصص جزء كبير من اهتمامها لدعم الثورات العربية الأخرى، على الأقل سياسيا، ولكن للأسف لم يحدث ذلك لعوامل كثيرة، أهمها انشغال الاخوان في الداخل في الأزمات السياسية والاقتصادية المتتالية (بعضها بفعل فاعل والبعض الآخر بسبب أخطائهم)، وأيضاً عدم رغبتهم في التصادم مع المصالح الأمريكية في المنطقة لحين ثتبيت أرجلهم في النظام. طبعا لن اتكلم هنا عن السعودية وقطر والإمارات والأردن الذين هما الأذرع السياسية والاقتصادية والأمنية لأمريكا في احتواء الثورات العربية لأن دورهم واضح جداً ولا جدال فيه، ولأنهم في الأساس أنظمة عميلة للغرب، وطبعا لايمكننا أن ننسى الدور التركي – فهو دور محوري جداً – وهو التحكم في كميات السلاح وأعداد المقاتلين الداخلة إلى سوريا، وذلك بعد أن تحولت إلى قبلة للشباب المجاهد المتحمس من كل أقطار العالم الإسلامي.

نعود مرة أخرى للمشهد في سورياً، فبعد أن أخذت الثورة في سوريا الطابع المسلح – وهو أمر طبيعي بعد أشهر عديدة من المذابح في ظل الصمت العربي والدولي-وبعد محاولات متكررة لإيجاد قيادة للفصائل المقاتلة تحت اسم جيش الحر، لم تستطع أمريكا وأذرعها من الأنظمة الموالية إيجاد هذه القيادة، وذلك لأن هذه الفصائل – أو الكتائب – تعمل بشكل لا مركزي، بعضهم قد انفصل عن الجيش النظامي، وبعضهم تكون من المدنيين المتضررين، لا تجمعهم قيادة مركزية موحدة، فقط يجمعهم اسم "الجيش السوري الحر"، ومع الوقت تمايزت هذه الفصائل، بعضها اتحد سوياً ليكون"ألوية" تحت نفس الاسم، ومع مرور الوقت أكثر ظهرت بعض الرايات الأخرى التي تحمل طابعاً "جهادياً" مثل كتائب أحرار الشام – التي اندمجت فيمابعد داخل الجبهة الإسلامية السورية - وجبهة النصرة لأهل الشام (وهي الأكثر"راديكالية" والأكثر تدريباً وتفوقاً في المعارك)، وذلك مع استمرار وجود بعض الكتائب التي تحمل طابعاً جهادياً داخل الجيش الحر بتكوينه اللامركزي.

ماذا يحدث في المرحلة الحالية؟
على جانب أمريكا والأنظمة العميلة: فبعد محاولات عديدة لايجاد قيادة –عسكرية وسياسية – للثورة، أصبح هناك قائداً عسكرياً (رياض الأسعد) وأصبح هناكممثلاً سياسياً (الائتلاف السوري المعارض) وتم تصدير "معاذ الخطيب" رئيساً لهذا الائتلاف، وهو رجل يبدو "اسلامياً" في سمته وفي لغته، واعترفت جامعة الدول العربية بهذا الائتلاف ممثلا عن سورياً موخراً، وجلس معاذ الخطيب على مقعد سوريا في الجامعة في 27 مارس 2013، أما من الناحية العسكرية، فهناك ضرورة قصوى للسيطرة على القوات المقاتلة على الأرض، فعلى ما يبدو وعلى حسب المعلومات المتوافرة، يجري اعداد الكتائب المدعومة من الحلف الأمريكي (أمريكا – قطر –السعودية - الأردن) على قدم وساق للمعركة الحاسمة ضد الكتائب الإسلامية التي تشكل خطورة، وفصل هذه الكتائب عن بقية الكتائب المقاتلة فكان القرار الأول هو وضع جبهة النصرة وكتائب أحرار الشام على قوائم الإرهاب الأمريكية، وهناك أسلحة نوعية تدخل –عن طريق الأردن - في مخازن سرية، وأموال طائلة يتم تحضيرها لدعم المعركة – من السعودية وقطر، وعلى الناحية المخابراتية، فتقوم الكثير من أجهزة المخابرات العربية، وتحديداً السعودية والأردنية وربما المصرية أيضاً بجمع المعلومات عن العناصر والقيادات لاستهدافهم في الوقت المناسب، ثم تأتي المرحلة الختامية، وهي مرحلة تغيير الوجوه، في محاولة اغتيال "رياض الأسعد" بسبب موقفه من جبهة النصرة، وتعيين وجه جديد كرئيس للحكومة الانتقالية التابعة للائتلاف "غسان هيتو" وهو مواطن أمريكي بالمعنى الحرفي، مع الابقاء على معاذ الخطيب – بعد تهميش دوره –لاستخدامه كواجهة إسلامية معتدلة لجذب واستيعاب المجموعات الإسلامية الصغيرة التي لا تتفق مع فكر "القاعدة"، خصوصاً وأن الكثير من مؤيديه يلقبونه بالشيخ، مع التخلص منه في الوقت المناسب فيما بعد عند انتهاء دوره.

ما هو المتوقع أن يحدث بعد ذلك؟ من المتوقع في الأيام القادمة حدوث صراعات على مناطق النفوذ للسيطرة على أكبر مساحة من الأرض قبل سقوط النظام، وذلك بين الكتائب المدعومة أمريكياً والكتائب المعادية للمشروع الأمريكي، وبعد أن تتم السيطرة على أغلب المناطق الهامة استراتيجياً، تحدث المعركة النهائية لاسقاط النظام (الساقط أساساً)، وربما تتم بشكل "هوليودي" استعراضي، ويظهر للناس أن النظام قد سقط وأن عهد الحرية قد بدأ، ثم يفاجأ الناس بمعارك ضارية بين الفصائل المحاربة لبشار، ويتم اعلامياً اظهار الكتائب المعارضة للهيمنة الأمريكية بأنهم مخربين، واستدعاء الصورة الذهنية لتنظيم القاعدة "الإرهابي الشرير"، ويتدخل السي آي إيه وأجهزة المخابرات العربية لتصفية العناصر الخطرة لتقصير المعركة، ثم بعد ذلك يتم اخضاع كل الفصائل المحاربة لنظام بشار تحت قيادة النظام الجديد، وتقوم الأنظمة العربية بمحاصرة كل المقاتلين الهاربين وتصفيتهم حتى لا تتكون بؤرة أخرى للجهاد في المنطقة. ويبدأ عهد اعادة الاعمار والشركات الرأسمالية الكبرى، ويكون أكبر انجاز حققته الثورة هو "الديمقراطية الأمريكية الزائفة"، وسوف يكون ذلك للأسف باستخدام اخوان سوريا.

أما عن جانب المشروع المقاوم للهيمنة الأمريكية الصهيونية، وهو يتمثل في جبهة النصرة وبعض الفصائل الأخرى، فلا تظهر استراتيجية واضحة لهم، وربما لديهم ما يخبئونه للمستقبل، ولكن على ما يبدو أن هناك قدراً من التعاون والتنسيق مع"دولة العراق الإسلامية"، وإن كانت الأخيرة تبدو متخبطة في بعض قراراتها، وخصوصاً القرار الأخير بإعلان توحيد الجبهتين في العراق وسوريا في كيان واحد، بل ودولة أيضاً، وهو تكرار للخطأ في العراق، ولكن يبدو أن القيادات في سوريا تتمتع بقدر من الوعي السياسي والحركي، فسارعت إلى نفي هذا القرار، ولكنها اكدت على وحدة الفكرة في مقابل انفصال التنظيم، وهي خطوة جيدة في وجهة نظري. ولكن حتى الآن لا أعرف ماهي استراتيجية جبهة النصرة، وكيف ترى المرحلة القادمة، وكيف ستواجه اطرافاً متعددة (عسكرية وسياسية ومخابراتية).

إن نجاح أمريكا والنظام العالمي في احتواء الثورة في سوريا سيكون ختاماً لاحتواء الثورات العربية جميعاً، وإطالة في عمر النظام العالمي المنهار، ربما لبضعة عقود إضافية، هذا بالحسابات المادية، ولكن من يدري، لعل الله يحدث أمراً.

ملحوظة أخيرة: هذا المقال بناء على ما لدي من معلومات ومحاولتي لقراءة الواقع من خلالها، لذا فهو يحتمل الخطأ والصواب، بعض هذه المعلومات مما توافر عن طريق التقارير الصحفية، والبعض الآخر مما هو قادم من الأرض في سوريا. وهذه روابط لبعض التقارير والفيديوهات التي قد تدعم تحليلي:

تدفق أسلحة ثقيلة عبر الحدود الأردنية إلى قوى معتدلة في الجيش الحر -تصل بسرية عالية وتذهب لمجموعات بعينها لإضعاف شوكة «النصرة»

أميركا تراقب "متطرفي" سوريا لضربهم

الاخوان المسلمين يتعهدون لروسيا بدولة غير اسلامية

لهذا السبب امريكا و الغرب لا يرغبون بدعم ثورة سوريا

كلمة معاذ الخطيب في مؤتمر  "الإسلام والعدالة الإنتقالية في سوريا" والذي رفض فيه فكر القاعدة وجبهة النصرة ضمنياً

"الجيش الحر": لا علاقة للحر بجبهة النصرة، وادراجها او عدم ادراجها بلائحة الارهاب تهرب من حماية السوريين

21‏/12‏/2012

خطوات على طريق تحرير الوعي



يتعرض وعينا يوميا للتزيف والتوجيه والسيطرة من قبل كل ما يعرض في وسائل الإعلام من نشرات اخبارية وبرامج وأفلام ومسلسلات، هدفها تشكيل الوعي وترسيخ مفاهيم معينة لدى الناس، ويزرع في وعينا الكثير من الأفكار المادية الاستهلاكية، ويغرس فيه صورا وقوالب، وتستخدم كلمات لها دلالات معيننة في اذهاننا، وأحاول هنا أن استعرض كيف يتم تزييف وعينا وأن أضع بعض القواعد اللازمة لتحرير هذا الوعي.

القاعدة الأولى: تحطيم الأصنام، فنتيجة الجهل والتعصب قد ابتلينا بمرض "تصنيم" الأشخاص، وإضفاء القداسة على أفكارهم وتصرفاتهم، واختلاق المبررات والأسباب لها لو تعارضت مع العرف أو المبادئ أو الأخلاق، وهذا الأمر لا يقتصر على الأشخاص فقط، بل يمتد إلى بعض الحركات والجماعات والأحزاب.

 وتحطيم الأصنام يقصد به أمرين، الأول: هو نزع القداسة عن الأشخاص والتنظيمات، وتنازل مواقفهم وتصرفاتهم بموضوعية، فكل يخطئ ويصيب، وهناك قول منسوب للإمام مالك مضمونه أن "كل يؤخذ من كلامه ويرد إلا الرسول صلى الله عليه وسلم" ، والثاني: تحرير الفكرة من الشخص أو التنظيم، وقد حذر الله تعالى في القرآن الكريم من فكرة ارتباط الفكرة بالشخص - حتى لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم- في قوله تعالى: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ"، وكذلك قال سيدنا أبي بكر رضي الله عنه عند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم عندما فجع الناس: "من كان يعبد محمدا فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، وكذلك قول سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "يعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال"، وتحرير الفكرة من الأشخاص/ التنظيمات تعني انها لا تموت بموت الشخص/ التنظيم،  ولا تتأثر بأخطائهم أو انحرافهم عن طريق الحق.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود الرمز أو القدوة، والتي تتمتع بالاحترام والمصداقية بين الناس، وتشكل النخبة الفاعلة الحقيقية، التي تمثل البوصلة بالنسبة للرأي العام، ولكن علينا أن ندرك الفارق البسيط بين الاحترام والتقديس، وألا نتخطاه.

القاعدة الثانية: لا يوجد إعلام محايد، لا يوجد إعلام غير موجه. 

الإعلام قد تحول لسلعة أو منتج يستحق التسويق ، ومن يملك كبرى القنوات الشبكات الإعلامية هم من رجال الأعمال الذين يهتمون بالحفاظ على مصالحهم، التي تبدأ بالترويج لسلعهم ومنتجاتهم، مرورا بالحفاظ على الثقافة الاستهلاكية، وانتهاء بالحفاظ على مقومات الظام الرأسمالي العالمي، ما يتحكم في الإعلام هو توجهات ملاكه، والربح المتحقق نتيجة الاعلانات، وهذا يتطلب أمرين: الأول: الاهتمام بالأخبار "الساخنة" والموضوعات التي تحقق نسبة مشاهدة عالية، مثل أخبار المشاهير ونجوم الفن والكرة، والفضائح، وكل ما يمكن أن يجذب انتباه المشاهد ولو للحظات يساهم فيها بارتفاع نسبة المشاهدة وبالتالي ارتفاع أرباح الإعلانات، فكلما كان الموضوع المتناول غريبا وصادما ويثير الجدل كلما كان ذلك أفضل، ولم يقتصر الأمر على ذلك، فتطور الأمر ليشمل شريحة جديدة من المشاهدين، فهناك مشاهدين يهتمون بالأخبار السياسية، وهناك من يهتمون بالبرامج الدينية، وهناك من يهتم ببرامج "الطبخ" و"الموضة"، لذلك كان من الواجب الاهتمام بجذب هؤلاء المشاهدين، مع عدم "الإخلال" بمبادئ الرأسمالية، فأصبحت البرامج الدينية ساحات للجدال والصراع بين الشيوخ والدعاة، وأًصبح البعض الآخر مكانا للفتاوى "الغريبة" و"الشاذة" و"الصادمة"، ولا مانع في بعض الأحيان من استضافة "نجوم" المشايخ والدعاة والوعاظ في حلقات "محترمة" تخلو من الإثارة من هذا النوع، ولكنها تمتلي برسائل الـ"SMS" والفواصل الإعلانية.

حتى البرامج التي من المفترض أنها تحمل "رسالة أخلاقية" وتتناول الجرائم وتحللها، أصبح كل همها أن تتناول الجرائم الغريبة وغير المعتادة، مثل شخص قام بتمزيق أسرة كاملة، أو شخص قتل أبوه أو أمه أو ابنه أو ابنته، أو آخر قام بقتل طفلة صغيرة بعد أن اعتدى عليها، كل هذا في اطار من "الإثارة"، هذا بالإضافة للبرامج الحوارية السياسية أو ما تسمى بالـ"talk show”، والتي هدفها بالأساس توجيه وعي الناس في اتجاه معين وتستخدم في ذلك كل الأساليب المتاحة التي سوف أفصلها في بقية المقال، برغم أنني كنت أنوي تخصيص موضوع منفصل لتحليل الخطاب الإعلامي، وكيف نفهمه، ولكني أجد أنه من الضروري التوقف عند هذه النقاط، مع ضرورة التوضيح أن الآتي هو اجتهاد شخصي نابع من الملاحظات اليومية.

كيف يزيف الاعلام الحقائق:
 
- التركيز على حدث صغير وخلق حالة من الزخم والجدل حوله، وأحيانا يكون التركيز على خبر أو معلومة على حساب معلومة أخرى، مثل الاهتمام بحدث فني أو سياسي أو حادث يموت فيه بضع أشخاص على حساب حدث أكبر له وقع وتأثير كبير، لأنه لا يخدم توجهات القائمين على الإعلام.

- قلب الحقائق عن طريق اظهار جزء من الصورة واخفاء الجزء الآخر، وتضخيم الجزء المراد اظهاره والتهويل من حجمه، وأهمال الجزء المراد اخفائه والتقليل من شأنه.

- تضييع الحقيقة عن طريق عرض الآراء المتناقضة بدعوى الرأي والرأي الآخر، فيصاب المتلقي بحالة من "التوهان"، عندها يكون جاهزا لتلقي "الكبسولة" اللازمة للسيطرة على وعيه.

- تمييع الثوابت والتركيز على نسبيتها، والتشكيك في كل مصادر المعلومات الأخرى، والتركيز على فكرة المصداقية واكتساب الثقة لدى المشاهد أو المستمع أو القارئ.

- تحطيم الرموز، وهذا يختلف بالتأكيد عن قاعدة "تحطيم الأصنام" التي ذكرتها في بداية المقال، فكل مجتمع به شخصيات عامة في كل المجالات وبعضهم يصلح كرمز أو كقدوة، أو كشخص معتبر يتمتع بالاحترام بين الناس، أو بعض الأشخاص الذين يتكلمون بلسان حال المواطنين البسطاء ولهم قدر من الشعبية، فكل هؤلاء يجب تحطيمهم أو احتواءهم، إما بالبحث عن ثغرات في حياتهم، أو صناعتها إن لزم الأمر، أو ضرب مصداقيتهم وإبراز التناقض بين قولهم وفعلهم، بالحق أو بالباطل، أو احتوائهم إن فشل كل هذا عن طريق استضافتهم بكثرة في البرامج أو أن يكون لهذا الشخص برنامجا خاصا ليقدمه، ومع الوقت ومع كثرة الظهور لن يجد ما تحدث فيه وسوف يعتاد الناس ظهوره ويملونه ، و"من كثر كلامه كثر خطؤه".

- صناعة رموز جديدة تتمتع بالقبول والمصداقية، وظهورها بكثرة مع اعتمادها كمصادر للمعلومات والرؤية والتحليل.

- غرس الصورة الذهنية التي يسهل استدعاؤها، فمثلا في التسعينيات كان ذكر كلمة "ارهاب" في مصر لا يستدعي إلى ذهن أغلب الناس سوى صورة شخص ملتح متجهم الوجه يرتدي جلبابا قصيرا، هذه الصورة طبعا تم ترسيخها عن طريق العديد من الأفلام والمسلسلات، ومثال آخر، ذكر كلمة "شريعة" يستدعي على الفور إلى ذهن المستمع صورة ليد مقطوعة.

- القولبة والتصنيف وفرض الاختيارات، فكل شيء جديد أو غير قابل للفهم يتم وضعه في قوالب معدة التجهيز، مع مراعاة أن هذه القوالب لها صورة معينة في ذهن المستمع،  ومن الضروري جدا أن تكون هذه القوالب في شكل ثنائيات،  ووضعك في دائرة الاختيار بين خيارين، فإذا كنت مع "س" فأنت بالتأكيد لست مع "ص" والعكس صحيح، وهذا يخلق حالة من الاستقطاب والاختزال ويلغي وجود أي مواقف مركبة أو حلول وسط، ويكون الهدف من حالة الاستقطاب هذه هو منع الناس من التفكير "خارج الصندوق"، أو ابداع حلول أو مواقف جديدة، لأن يؤدي إلى تحرير الوعي من التصورات المفروضة عليه، بينما هدف الإعلام دائما هو السيطرة على الوعي.

 - المصلحة/ العاطفة: اعتماد منهج مادي في تحليل الأحداث يعتمد على المصلحة، فكل حدث هو لمصلحة طرف ما، حتى لو قام هذا الطرف بتضحية أو بتفضيل مصلحة عامة على مصلحته الخاصة، يتم تفسير هذا التصرف وفق منهج التحليل المادي السابق، ومحاولة إيجاد أي مصلحة تكون هي الدافع، فقد يكون دافع هذا الطرف هو السعي لتجميل صورته، أو يكون لتحقيق مصلحة بعيدة، أو أنه يفعل ذلك لهدف خبيث سيظهر لاحقا، المهم أنه لا يوجد أحد شريف أو سليم النية، كل يعمل لمصلحته، اللهم إلا الأطراف التي يسعى الإعلام لتلميعها وصناعتها، فيتم استخدام خطاب عاطفي للغاية يلغي فكرة المصلحة تماما.

-  استخدام ألفاظ ذات دلالات معينة لتوصيف الخبر أو المعلومة، فمثلا استخدام كلمة "شهداء" يستدعي التعاطف، بينما "استخدام كلمة "قتلى" يلغي هذا التعاطف أو يحيده، وبالتأكيد كلمة "اعتداء" يكون لها دلالة مختلفة تمام عن كلمة "دفاع"، وكذلك كلمتي "إرهاب" و"مقاومة"، كل هذه الألفاظ قد تستخدم لوصف مواقف واحد، وذلك لإبجاد انطباع معين لدى المتلقي.

- ارهاب المصطلح (التعبير مقتبس من د. محمد مورو): مثل كلمة "ارهاب فكري"، "تكفيري"،" تخوين"، "أصولية"، "محاكم تفتيش" مصطلحات مثل هذه تولد شعورا بالنفور في المتلقي، حتى لو لم يكن يعلم معناها، وفي المقابل اضفاء القداسة على مصطلحات أخرى مثل "المدنية"، "العلم"، "التنوير"، "الحداثة"، "حرية التعبير" بحيث تصبح أي محاولة لمناقشة هذه المصطلحات أو وضع تعريف لها هو من قبيل "الهرطقة"، هذا بالطبع يجب أن يكون في اطار الثنائيات المتضادة التي ذكرتها في النقطة السابقة.

- غرس مصطلحات في اللاوعي عن طريق تكرارها بطريقة كبيرة جدا، وهذا يتوقف على الحدث وماهو المصطلح المطلوب غرسه، فمثلا في هذه الأيام يتم  تكرار كلمات مثل "ميليشيات"، "حرب أهلية"،"أخونة"، ويتم الغرس بحيث يمكن استدعاء هذه المصطلحات ذاتيا من المتلقي دون الرجوع للإعلام.

القاعدة الثالثة: تنوع مصادر المعلومات، والتخلص من القولبة والصور الذهنية.

يجب أن تعلم "من" يقول "ماذا" و"لماذا"، فمعرفة مالك "القناة الفضائية" أو "الصحيفة" ومعرفة توجههه أمر ضروري للحكم على المحتوى الاعلامي لما يملكه، وكما ذكرت في السابق أن الاعلام يخصع لتوجهات رأس المال، كذلك معرفة الشخص المتحدث وتاريخه ومواقفه السابقة، تفيد كثيرا في الحكم على ما يقوله الآن وعلى طريقة نقله للحدث، والأهم من ذلك كله، يجب أن نعرف أن طريقة صياغة الخبر تؤثر كثيرا في المتلقي، فالخبر يمكن أن يصاغ بأكثر من طريقة ليعطي انطباعا مختلفا، لذلك فمن الضروري أن تقوم بتلقي الخبر من أكثر من مصدر، حتى تلم بالتفاصيل وحتى لا تؤثر فيك الصياغة، وكل ذلك يأتي بعده تتبع مصدر الخبر، لأن المصدر أيضا عامل أساسي في الحكم على صحته.

القاعدة الرابعة : العزلة الشعورية (التعبير مقتبس من سيد قطب ولكن استخدمه في سياق آخر)، والمقصود بها: لا تجعل عواطفك ومشاعرك هي التي تتحكم في تقييمك للمعلومة، أو تؤثر في بحثك عن صحتها، فأحيانا تتمنى وقوع خبر معين، وعندما تتلقى هذا الخبر تقوم بتصديقه أو بنشره دون أن تتثبت من صحته، مثل خبر عن مقتل "بشار الأسد" أو هروبه، هذا الخبر قد تم تداوله أكثر من مرة، ثم يتضح بعد ذلك أنه خبر غير صحيح، وكذلك العكس صحيح، فقد يقع حدث ما، ويقوم البعض بالمسارعة إلى تكذيبه، لأنه صعب على التصديق أو لأنه خبر مكروه بشدة، ثم يتضح في النهاية أنه صحيح.

القاعدة الخامسة: لا تبن مواقفك على مواقف الآخرين: الكثير من الناس يبنون مواقفهم على مواقف الآخرين، ويَعرفون الحق بالرجال، في حين أن الرجال هم من يُعرَفون بالحق، ففلان أكرهه ولا أطيقه، عندها سوف اتخذ بالضرورة موقف معاكس له دون تردد، وفلان أحبه، فسوف أتخذ موقفه دون تردد، وذلك دون معرفة دوافع هذا أو ذاك التي دعته لاتخاذ ذلك الموقف، ودون التفكير في الموقف ذاته وتحليله، فلربما كان الصواب قد جانب الطرفين، وربما كانت وجهة نظر كل منهم لها وجاهة. لذلك فكل ما عليك هو أن تعرف الحق وتقف بجانبه دوما، ويكون تقييمك للأشخاص ومواقفهم من خلال مدى قربهم أو بعدهم عن الحق. وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه "اعرف الحق تعرف أهله".

القاعدة السادسة: التحرر من أي تابوهات أو مسلمات غير منطقية لا تستند على أساس دين أو أخلاق أو قيمي: فكل مسلماتك ومنطلقاتك يجب أن تكون نابعة من أساس ديني أو أخلاقي أو قيمي، ولا تكون نابعة من الأهواء، وهذه النقطة سوف أتعرض لها بالتفصيل في المقال القادم بإذن الله "بناء الوعي" وذلك لأنها الخطوة الأخيرة في "تحرير الوعي" من التزييف والخداع، والخطوة الأولى في "بناء الوعي" الجديد، فهي خطوة مشتركة وحاسمة.


في النهاية لا أقول أن هذه دعوة للشك في كل شيء، بل أقول فكر واعمل عقلك في كل شيء.

04‏/07‏/2012

عن الحرية والاستعباد والإسلام

عندما يكون معيار تقدم الأمم أو تأخرها هو مدى تقدمها الصناعي والتكنولوجي ومتوسط دخل الفرد ونسبته من الناتج المحلي (وكل المعايير المادية المعروفة)، مع إهمال المستوى الثقافي والفني والروحي، تكون حساباتنا مادية صرفة لا تعترف بكون الإنسان إنسانا، بل تعتبره إداة من أدوات الإنتاج أو آلة من الآلات المستخدمة، ونكون قد استعبدنا الناس وحولناهم لآلات وسلبنا حريتهم التي وهبهم الله إياها.

فالأنظمة المادية تستعبد الناس وتسلب حريتهم بطرق مختلفة، منها السيطرة على الوعي وتزييفه إما بالجهل أو الخوف، ومنها السيطرة علي الإنسان بشهواته وحبه للمال والترف وإغراقه في المتع المادية، أو النقص في حاجاته الأساسية (المأكل والسكن والملبس)، فيصبح عبدا لدى النظام الذي يعطف عليه، ومنها استخدام القوة لقمع الناس واخضاعهم للسلطة.

ويعد نموذج السيطرة على الوعي وصناعة وعي مزيف لدى الناس هو أخطر النماذج، ويكون السلاح الأساسي المستخدم فيه هو الإعلام، وعن طريق الإعلام المرئي والمسموع وبث الإشاعات وصنع الأكاذيب واختلاق الأعداء، مستغلا في ذلك جهل الناس أو خوفهم من خطر ما (ربما يقوم النظام بصنع ذلك الخطر)، يمكن للإعلام أن يزيف وعي الناس لفترة طويلة، والأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة، أشهرها نموذج ألمانيا النازية في الأربعينيات، وكان وزير الإعلام أنذاك جوزيف جوبلز، الذي أصبح فيما بعد أحد علامات التاريخ في صناعة الوعي المزيف، وكانت من أشهر مقولاته: "اكذب حتى يصدقك الناس" وهي جملة لها دلالة كبيرة، وكذلك كان يقول: "كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسى" وهي أيضا لها دلالة كبيرة على أهمية السيطرة على الناس عن طريق تجهيلهم.

مثال آخر في الولايات المتحدة الأمريكية، وما فعتله لاحتلال العراق عسكريا، وكيف استطاع الإعلام الأمريكي صناعة العدو والخطر الرهيب من لاشيء، وكيف تم تجهيل الشعب الأمريكي واختلاق عدو وهمي – متمثلا في النظام العراقي- يملك أحدث الأسلحة البيولوجية والكيماوية ويمثل الخطر على أمريكا، ولا مانع من ربط هذا النظام بتنظيم القاعدة، العدو الأكبر لأمريكا، وكلنا نذكر كيف قام كولن باول- وزير الخارجية آنذاك- بعرض صور لمواقع أسلحة وقواعد عسكرية في العراق، وكيف تم الترويج لهذه الكذبة في الإعلام الأمريكي – الذي يعد الابن البار للطريقة "الجوبلزية"- وكيف استطاع أن يحشد الناس وقتها ويقنعهم بضرورة القيام بضربة عسكرية على العراق، الذي كان يعاني من الحصار أكثر من عشر سنوات، وكانت قوته العسكرية متأخرة بعشرات السنين، وكانت تمنع عنه أقلام الرصاص وبعض أدوية القلب خوفا من استخدامها من تصنيع الأسلحة والمتفجرات.

وإذا كنت هذه الانظمة تحمل رؤية مادية بحتة تتمثل في السيطرة والاحتلال وزيادة الانتاج والثروات، فإن الإسلام برؤيته "الإنسانية" غايته هي تحرير الإنسان من أي سيطرة أو سلطان مادي أو معنوي، بحيث لا يكون عبدا سوى لله سبحانه وتعالى، ويبدو ذلك واضحا في مقولة الصحابي الجليل ربعي بن عامر لقائد الفرس: "جئنا لاخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام"، فالإنسان إذا كان مستعبدا فإنه لا يكون حرا في اختياراته، ولأن الحرية شرط أساسي في محاسبة الإنسان، فلا محاسبة عن الإكراه أو الاضطرار، فكان الهدف الرئيسي في نشر الإسلام هو تحرير الناس، معنويا بتحرير عقولهم من سيطرة رجال الدين أو الكهنة أو أكاذيب الحكام، ومن خوفهم من بطش السلطة، أو بتحريرهم ماديا بتوفير كل حاجاتهم الأساسية من مأكل وملبس ومسكن وتعليم وعلاج وعمل، وأن يكون توفير هذه الحاجات الأساسية من واجبات الحاكم، حتى تتحقق لهم حريتهم الكاملة، وعندئذ تكون اختياراتهم حرة نابعة من ارادتهم، دون أي ضغط أو استغلال حاجة أو استعباد، ولهذا شرع الجهاد، الذي هو في الأساس موجه لتحطيم الطواغيت والسلاطين الذين يظلمون الناس أو يكرهونهم أو يعبدون الناس لهم أو يسلبونهم حريتهم، وتحطيم أي حاجز بين الناس وبين ربهم، فالجهاد هدفه تحرير الإنسانية، ونشر رسالة الإسلام في تحقيق الحرية والعدل والكرامة وإعمار الأرض وفق شريعة الله، ونقل الناس من "عبادة العباد إلى عبادة رب العباد" وهذه هي الحرية في أسمى معانيها.

وتحقيق الحرية للناس بهذا المفهوم، أو "تمكينهم" من حريتهم بمعنى أوضح، هو المعيار الأساسي للحكم على تقدم الأمم، فكلما كانت الشعوب حرة أمكنها ان تنقدم في كافة المجالات المادية والعلمية والثقافية، وكلما كانت اختيارات الناس نابعة من إرادتهم الحرة كانت التجربة أكثر "إنسانية"، ومهما كان التقدم المادي لبعض الأمم، فمادامت لا تسعى لتحرير الناس كغاية نهائية، فسوف يتنقل الناس بين أطوار مختلفة من العبودية للمادة، وسوف يتحول البشر إلى ماكينات لاهم لها سوى زيادة الإنتاج والتطور المادي والتكنولوجي، وسوف يفقد الإنسان "إنسانيته" ويتحول إلى آلة منتجة كل همها كسب النقود وتحقيق المتع المادية.

07‏/04‏/2012

عن جمعة "ولاد أبو اسماعيل"

فيما يلي الأسباب والنتائج المترتبة – من وجهة نظري - على مسيرة اليوم

(1)
وضع حد لشيطنة الإسلاميين وفقدهم المصداقية، فبعد أن تم استغلال قضية البلكيمي في تشويه المتدينيين، جاء الهجوم على الاخوان واتهامهم بالكذب في مسألة مرشح الرئاسة - برغم أن هذا ليس هو الخطأ الذي يلام عليه الاخوان – ثم التتويج بفكرة أن الشيخ حازم – الذي اصبح رمزا شعبيا – "كاذب" وأن أمه "أمريكية" وهذا يطعن في كل الإسلاميين بكل مدارسهم وينعتهم جميعا بالكذب ويرسخ الفكرة في اللاوعي الجمعي عند الشعب المصري، وللأسف هناك من أبناء الشعب ممن يعتبرون من "النخب" أو "المثقفين" يساهمون في ذلك عن قصد، إما لخدمة أجندات أمنية مخابراتية وإما لخدمة أهداف وأحقاد شخصية.

(2)
إعادة الزخم الثوري إلى الشارع بانضمام كتلة كبيرة جدا من الإسلاميين وغير الإسلاميين إلى "الطليعة الثورية"، ويلاحظ أن نسبة كبيرة منهم هم من أبناء المدرسة السلفية التقليدية من الذين تمردوا على أفكار مشايخهم أو الذين تحمسوا لفكرة الشريعة تحت قيادة مرشح إسلامي صريح، وكلا الفريقين حديث العهد بالسياسة ولكنهم يخوضون مرحلة الإعداد الفكري والحركي من خلال العمل في الشارع والاحتكاك بالناس وتطوير خطاب إسلامي يخاطب الشعب ولا يخاطب التنظيمات.

(3)
تشكيل حائط صد ضد الهجمات والتكتيكات "القانونية" التي يتبعها النظام (الذي يتمثل في المجلس العسكري والمخابرات بالطبع)، فإخراج حازم أبو اسماعيل من سباق الرئاسة بحيلة قانونية بنجاح، يسمح بالتلاعب في تاريخ أبو الفتوح والشاطر وأيجاد حيل قانونية لهم هم كذلك تمنعهم من الترشح وبذلك يتمكن العسكر من التحكم في المرشحين.

(4)
توجيه رسالة سياسية للمجلس العسكري بأن خطوات التصعيد الثوري مازالت متاحة وأن هناك شرائج جديدة من الشعب مستعدة للانضمام، والأخطر أن هذه الشرائح بلا رأس وبلا قيادة – تماما كما حدث في ثورة يناير – فيكون التفاوض معها مستحيلا ولا حل سوى تحقيق مطالبها فورا، ويكون تصعيد هذه الجماهير هو تصعيد نهائي لا تصلح معه المراوغات السياسية والاجتماعات المغلقة، وهذا يشكل ضربة لمشروع النظام الذي تم الاعداد له طوال العام الماضي بإيجاد "قيادات" أو "رموز" ثم الضغط عليها وتشهويهها وحرقها.

(5)
دفع النظام إلى تشكيل قيادة أو رمز فبعد توالي الدفع بمرشحين إسلاميين إلى الساحة، وبعد أن حظى بعضهم بتأييد شعبي تجاوز الجمهور الإسلامي التقليدي، أصبح من الضروري وجود رمز للنظام يتمثل فيه المشروع، ولم يعد مجديا الاكتفاء بتشويه المرشحين الموجودين دون تقديم بديل.

وفي الختام أنبه إلى نقاط هامة للغاية يجب أخذها في الاعتبار:

الأولى: ضرورة عدم اضفاء القدسية على الأشخاص، وخصوصا الشيخ حازم أبو اسماعيل، وإن كنت احسبه على خير، ولكننا يجب ألا نسعى لصناعة طواغيتنا من جديد، وهذا لا ينفي الاحترام الواجب.

الثانية: التوقف عن التراشق بين أبناء الصف الإسلامي، وخصوصا بين مؤيدي حازم والشاطر وضرورة اتحادهم في مواجهة مشروع اعادة انتاج النظام، وبرغم اعتقادي الراسخ في خطأ ترشيح الشاطر إلا أنه أصبح أمرا واقعا يجب التعامل معه بصورة صحيحة.

الثالثة: إدراك أن رجال النظام يعملون على الأرض ويسعون لإعادة تشكيل وعي الناس، أو بمعنى أصح إعادة برمجته، سواء بالإعلام الرسمي والخاص، أو بالتواجد الشعبي بين الناس، فمازال الناظم يمتلك أعدادا غفيرة من المخبرين التابعين لأمن الدولة الذين سوف يتم استغلالهم في الترويج للشائعات ونشر المفاهيم المغلوطة والدعوة لاعتبار عمر سليمان هو "المخلِص/المنقذ" من حالة الفوضى السائدة، فعلى الطليعة الثورية الإسلامية تحديدا العمل على تشكيل وعي مضاد في الشارع وتعريف الناس بهذا الأفعى خصوصا وبدوره في النظام قبل وبعد الثورة، وتذكير الناس أنه الذراع الأيمن لمبارك وأنه اتخذه نائبا في اللحظات الحاسمة للثورة.

الرابعة: اعتبار أن معركة عمر سليمان هي معركة المصير بالنسبة لنا، فنجاح هو نهاية للإسلاميين ونهاية للثورة ونهاية لمصر ونهاية للأمة كلها.

ملحوظة: اشكر أخويّ العزيزين، أبو معاذ ومحمود السخاوي على مساعدتهم في بلورة أغلب الأفكار السابقة بعد مناقشات حولها.

06‏/03‏/2012

الرئيس القادم

بداية أود أن أقول أن هذا المقال ليس دعوة للتشاؤم أو اليأس، ولكنه محاولة لفهم ما قد يحيط بنا من أخطار وتحديات، حتى نعرف جيدا طبيعة المرحلة القادمة ونستعد لمواجهتها، لا أن نغرق في أحلام الخلاص الوردية.

هذا المقال موجه في الأساس إلى الطليعة الثورية التي تدرك طبيعة الصراع، وتدرك أن الثورة أكبر من أسقاط حاكم أو عصابة حاكمة، بل هي تغيير منظومة اجتماعية اقتصادية سياسية ثقافية تربوية بالكامل، وتضعنا على خط المواجهة مع العدو الأساسي الذي كان يشكل هذه المنظومة بمعرفته ويحافظ عليها، وتدرك أن اسقاط مبارك ونظامه هو مجرد البداية.

نبدأ من مشهد زحف الجماهير إلى القصر الجمهوري وبيان تنحي مبارك، ثم تولي المجلس العسكري السلطة ووعده بتحقيق اهداف الثورة، ثم فيما بعد ظهور وجهه القبيح واصراره على اعادة انتاج النظام بصورة أخرى جديدة، ورضوخه في بعض الأحيان لبعض المطالب تحت الضغط الشعبي، وتمسكه بعدم عمل أي تعديلات جوهرية على النظام وخصوصا فيما ما يتعلق بالأجهزة الأمنية، ثم انتخابات مجلس الشعب الذي سيطرت عليه التيارات الإصلاحية الإسلامية، والتي بدت راغبة في عدم الصدام مع المجلس العسكري، وعلى استعداد للتفاهم حول المرحلة الانتقالية، ثم أخيرا بعد الضغط الشعبي، قرار فتح باب الترشيح لانتخابات رئيس الجمهورية.

وقبل أن أتحدث عن الرئيس القادم، أرى أن نضع بعض النقاط على الحروف.

أولا:الأداوت التي تستخدمها أمريكا للعب في مصر:

1- أمن الدولة (أو الأمن الوطني) وهو يمتلك جيوشا من المخبرين السريين والبلطجية.

2- قطاع من جهاز المخابرات وهو يملك الكثير من مفاتيح البلاد.

3- بعض أطراف المجلس العسكري.

4- بعض السياسين المعارضين من الذين كان يتم اعدادهم وتلميعهم ليصبحوا رجال المرحلة.

5- رجال الأعمال وبقايا النظام السابق الذين لم تطالهم المحاكمات (أو من يطلق عليهم الفلول).

ثانيا: أدوات الثورة:

1- الزخم الثوري في الشارع، وإن كان قد قل بدرجة كبيرة ولكنه من المتوقع عودته مع انتخابات الرئاسة، ويعاب عليه أنه غير محدد المعالم ولا الأهداف ولا المشروع.

2- الرموز والتنظيمات والحركات الثورية الليبرالية واليسارية، وهم ليسوا أصحاب تأثير كبير في الشارع، ولكنهم يحظون بدعم كبير من الإعلام.

3- التنظيمات الثورية الإسلامية، وهي للأسف مازالت في مرحلة ترتيب الصفوف، ولكنها تبدو لي الأقرب في فهم الواقع وتحديد الأهداف.

فماذا عن الرئيس القادم؟

- أمريكا لن ترغب في وجود رئيس ثوري أو مؤيد للثورة، ولكنها في مثل هذا الوقت الحرج لن تسعى لإسقاطه وتخاطر بما تبقى من النظام في مصر، وربما تسعى إلى تقييده والقضاء على أحلامه، بالقيود الدولية والديون والمعونة العسكرية والواردات الاقتصادية أهمها القمح، بينما الشعب المصري يرغب في رئيس يحقق آماله في تحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء على الفساد وعودة مصر إلى ممارسة دورها الإقليمي والتاريخي.

الآن صارت لدينا صورة عن أغلب المرشحين الذين لديهم فرص كبيرة في الفوز، ما لم يتم الدفع بالمرشح "السوبر" في آخر لحظة، فلدينا، "حازم صلاح أبو اسماعيل" وهو ذو خلفية إسلامية ثورية، و"عبد المنعم أبو الفتوح" وهو ذو خلفية إسلامية "اخوانية" مع بعض التطورات في الخطاب، وأيضا "حمدين صباحي" وهو ذو خلفية ناصرية قومية، بينما على الجانب الآخر هناك "عمرو موسى" وزير خارجية مبارك ومهندس أتفاقية أوسلو، والذى كان يظهر في صورة "الصقر" المعادي للسياسات الصهيونية، حتى تولى رئاسة جامعة الدول العربية، و"أحمد شفيق" الذي يتمتع بخلفية عسكرية، وأحد رموز النظام السابق ايضا، بل ورئيس الوزراء وقت الثورة، وهناك أنباء عن احتمال ترشح "عمر سليمان" رجل المخابرات القوي وذراع مبارك الأيمن وصديق أمريكا والكيان الصهيوني وأستاذ عمليات التعذيب بالوكالة.

نحن إذن أمام ثلاثة سيناريوهات:

الأول: الفوضى ما قبل الانتخابات، ولا أظن أن أمريكا ولا المجلس العسكري يدعمان هذا السيناريو، ولكن الأمن الوطني يعرف أن في تولي الإسلاميين نهايته، حتى لو كان الرئيس القادم مقيدا، فإن أول ما سيسعى إليه القضاء على هذا الجهاز أو انهاء فعاليته على أقل تقدير، ولكن مازال هناك أمل في نجاح أحد مرشحي النظام السابق، وعندها تعود الأمور إلى نصابها، فالأرجح أن تنتظر جميع هذه الأطراف حتى ظهور نتيجة الانتخابات.

والثاني: في حالة فوز أحد مرشحي النظام السابق (شفيق أو موسى أو سليمان) يظل كل شيء كما هو عليه، وسوف تتم علمية استكمال اعادة انتاج النظام القديم مع بعض التحسينات الظاهرية، وهو الخيار الأمثل لأمريكا ولكل الأطراف التي تقف معها في نفس المعسكر، أما في حالة فوز مرشح ثوري أو من مؤيدي الثورة (صباحي أو أبو الفتوح أو أبو اسماعيل) -وبافتراض نزاهة الانتخابات طبعا- فالمتوقع هو سيناريو مروع من الانفلات الأمني، يجعل ما حدث من انفلات في أثناء الثورة لا قيمة له، وقد شاهدنا تجارب حية في الفترة السابقة، من عمليات سطو مسلح وخطف وترويع واغتيالات سياسية، هذا السيناريو برغم صعوبته وقتامته، فإنه لا يدوم طويلا، فسوف تنحاز العناصر الوطنية المتبقية داخل الجيش الشرطة والمخابرات للشعب وتعمل على انهاء الفوضى وتعاونها في ذلك التيارات والحركات الثورية وسوف يكون هناك دورا كبيرا للحركات الإصلاحية الإسلامية (الاخوان والدعوة السلفية)، وسيكون النصر لمن لديه القدرة على الصمود أكثر، ولمن يستطيع تنظيم صفوفه وتنظيم حالة الفوضى ، هذا السيناريو أيضا لا تدعمه أمريكا ولا المجلس العسكري.

السيناريو الثالث: وهو القبول بأي فائز، وذلك بأن يتم الانتهاء من الدستور قبل انتخابات الرئاسة، ويكون هذا الرئيس ذو صلاحيات محدودة لا يملك القدرة على اتخاذ قرارات مصيرية تغير من شكل النظام أو تهدد مصالح المؤسسة العسكرية أو مصالح أمريكا في مصر، هذا الخيار هو الأقرب لأمريكا والأقرب للمجلس العسكري بل والأقرب للاخوان أيضا، ثم تأتي المرحلة التالية التي سوف تحدث رغما عن الاخوان، وهي مرحلة "تدجين" الرئيس و"تركيعه" بالمعنى الحرفي للكلمة، حتى يكون خادما مطيعا في يد أمريكا والمجلس العسكري وأمن الدولة، ثم يتم استخدامه للإطاحة بكل الحركات والتنظيمات الموجودة بما فيها "الاخوان المسلمين"، وسوف يكون عهدا جديدا من "الديمقراطية" الوهمية والحرية الزائفة، وهو السيناريو الأخطر على الاطلاق في وجهة نظري.

ربما كنت متشائما وربما كان تحليلي هذا كله خاطئا، ولكن النتيجة التي أود أن اصل إليها، أن الطريق طويل وصعب وشاق، وأن انتخاب رئيس جمهورية ثوري وطني سوف يكون أصعب من الإتيان برئيس على هوى أمريكا والمجلس العسكري وأمن الدولة والفلول، وإن مشوار بناء مصر وتحقيق استقلالها سوف يكون شاقا للغاية، وسوف تحيطه الأخطار من الداخل والخارج، وسوف نبذل فيه الدماء الكثيرة، وأن الإيمان بالله هو مفتاح النصر، وأن الثبات على الموقف مهما كان الثمن سوف يكون أكبر سلاح في أيدينا، فهل نقبل التحدي؟