٢٧‏/١٠‏/٢٠١٤

عن العزلة الشعورية


هل شاهدت يوماً فيلم أو مسرحية كوميدية وسط الجماهير وظللت تضحك طوال العرض، ثم شاهدت نفس العرض فيما بعد بمفردك فتساءلت في نفسك كيف ضحكت كل هذا الضحك؟ هل تواجدت يوماً وسط جمع من الجماهير في مبارة لكرة القدم فوجدت نفسك تستجيب لكل انفعالاتهم من غضب وحماس وفرحة؟ هل كنت يوماً في فرح أو مناسبة سعيدة فوجدت نفسك دون أن تشعر تندمج مع الحضور وتصفق وتتمايل في سعادة؟ لا تستغرب إنه "تأثير الجمهور". هذا التأثير هو الاندماج مع الحالة السائدة في جمع كبير الناس، ويستخدمه الاعلام منذ زمن في التأثير على الناس عاطفياً، سواء بالسلب أو بالإيجاب، وله أثر كبير في تحديد خياراتك وواقعك.

ما علاقة كل ذلك بـ"العزلة الشعورية"؟ بل ماهو معنى هذه الكلمة أصلاً؟

الحقيقة أن أول تعرفي بهذا التعبير كان في كتابات "سيد قطب"، ولقد تأثرت بهذه الفكرة تأثراً كبيراً كان له بالغ الأثر في تعاملاتي الحياتية ومفهومي عن التعامل مع الناس، إن "العزلة الشعورية" تعنى أن يكون لك مقياسك الخاص في الحكم على الأمور، وألا تنجرف مع مشاعر المحيطين بك  بدون تفكير، أو تنغمس في الحالة المسيطرة على المجتمع، أو تستجيب لإعلام الطغاة والطواغيت هو يتلاعب بمشاعر الجماهير، هي أن تضع حاجزاُ بينك وبين أي انفعال أو شعور أو رد فعل سوف تتخذه لا ارادياً وتمرره أولاً على ضميرك وعلى مرجعيتك ، أن يكون لك "فرقاناً" خاصاً تفرق به بين الحق والباطل "يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً"، وهي حالة لا تتكون إلا برفضك المنكر والسعي إلى تغييره في كل وقت، فإن لم تستطع فلتغيره بقلبك كما قال صلى الله عليه وسلم، والتغيير بالقلب هنا هو انكار هذا المنكر في داخلك وعدم تقبلك له وعدم مشاركتك فيه، والأهم من ذلك كله عدم اعتيادك له، فإن اعتدته فقد ضاع فرقانك وضاع مقياسك للحق والباطل، وغرقت مع من يغرقون في المعاصي والمنكرات بزعم أنه أمر "عادي" أو أن "كل الناس يفعلون ذلك" وأصبحت مرجعيتك هي ما يفعله الناس وما يعتادونه بدلا من أوامر الله ونواهيه.

لذلك فإنكارك للخطأ – أو المنكر بلغة الشرع- أمر ضروري حتى لو كنت تفعله، أن تجعل دائماً مقياس الله حاضراً في أفعالك لا مقياس البشر، أن يظل الحق والباطل واضحين لا نسبية فيهم، لذلك يفرق العلماء بين من يرتكب المعصية ضعفاً منه ومن يرتكبها استحلالاً لها، ومن يترك الفريضة معصية وبين من يتركها انكاراً، فالأول عاص أو فاسق بينما الثاني كافر، فقد انكر بقلبه وعقله ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وأصبح على دين غير الدين الذي أنزله الله سبحانه وتعالى، بينما الأول يعلم في قرارة نفسه أنه عاص ويعلم أن ما يفعله منكر ولكنه يفعله لضعف منه.

كل ذلك يأتي كمقدمة ضرورية لمن يريد أن يغير الواقع الذي يعيش فيه، فيجب أن عليه أولاً أن ينفصل شعورياً عن هذا الواقع ويضع ثوابته ومعاييره التي يزن بها الأمور بناء على أوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه، حتى يستطيع تغيير هذا الواقع وإعادته إلى مساره الصحيح، واختتم المقال بفقرة لسيد قطب في كتابه معالم في الطريق:
" إن مهمتنا الأولى هي تغيير واقع هذا المجتمع. مهمتنا هي تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه. هذا الواقع الذي يصطدم اصطدامًا أساسيًا بالمنهج الإسلامي، وبالتصور الإسلامي، والذي يحرمنا بالقهر والضغط أن نعيش كما يريد لنا المنهج الإلهي أن نعيش. إن أولى الخطوات إلى طريقنا هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته، وألا نعدِّل في قيمنا وتصوراتنا قليلاً أو كثيرًا لنلتقي معه في منتصف الطريق. كلا! إننا وإياه على مفرق الطريق، وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق".