





حقيقة لم أكن أرغب في كتابة هذا الكلام، لذلك فأنا اعتذر مبدئيا عن أي كلام قد يكون حادا أو عنيفا، ولكن بعد كل هذه المواقف وجدت نفسي مدفوعا للكتابة.
فاليوم يكون قد مضى على اعتقال أحمد الكردي أربعة أشهر بالتمام والكمال، فهو معتقل منذ الأربعاء 31 ديسمبر الماضي عندما خرج في مظاهرة لدعم غزة، ورغم خروج معظم المعتقلين في هذا اليوم بعد فترة قصيرة، إلا أن أمن الدولة وجدتها فرصة لاستمرار احتجاز أحمد بسبب نشاطه في الجامعة وقيادته أو مشاركته في الكثير من الفعاليات داخلها.
ما دفعني لكتابة هذا الكلام هو أنني اكتشفت للأسف وبعد كثير من المواقف أن المعارضة المصرية تطبق نظرية "الخيار والفاقوس"، وكنت أحسبها صفة للنظام فقط، فهذا من تيار كذا أو حزب كذا أو عضو في حركة كذا، وعلى أساس انتماءاته يتم اختيار مستوى التضامن الذي قد يصل إلى الصمت التام، وكأن هذا المعتقل ينتمي لمعسكر الأعداء، وكأنه ليس شريكا في عمليا التغيير، وكأن هناك ليس هدفا واحدا يجمع كل المعارضين هو أنهاء حكم نظام مبارك، بل يتم انتقاء أشخاص معينين والتضامن معهم بكل الصور ونشر قضيتهم في كل وسائل الإعلام وواحياءها في نفوس الناس قدر المستطاع، ويتم تجاهل أشخاص آخرين لمجرد الاختلاف معهم أيدلوجيا أو عدم رغبتهم في الدفاع عن هذا التيار أو ذاك، أو أن القضية لن تجلب الأضواء والزخم الإعلامي المطلوب.
قد يبدو كلامي غامضا لأنني لن أذكر أشخاص أو تيارات أو أحداث بعينها، وهذا يرجع إلى عدم رغبتي في خوض جدال لا طائل منه قد يشتت أكثر مما يوحد،ولكن لو نظرنا لقضية أحمد الكردي – كنموذج للخيار والفاقوس- فسوف تتضح الصورة، فأحمد تم تصنيفه في قائمة المغضوب عليهم، فكمية التضامن معه والدفاع عنه ضئيلة للغاية ومقصورة على عدد محدود من التيارات والأصدقاء، برغم أن أحمد لم يترك قضية إلا وتضامن معها وبذل من جهده ووقته لأجلها، ولم يترك شخصا اعتقال إلا ووقف بجانبه بكل طاقته، ولم يترك شخصا تعرض للظلم في محيط من يعرفهم أو لا يعرفهم إلا وكان في صفه، باختصار لم يطبق نظرية "الخيار والفاقوس"، وبرغم ذلك فإن أصدقاء الأمس صاروا يتجاهلون قضيته ويذكرونها في أضيق الحدود، وذلك يكون بغرض إظهار حبهم للديمقراطية والرأي والرأي الآخر والتعددية والمهلبية و..و..
وكما أن هناك "مغضوب عليهم" فهناك معارضون "خمس نجوم" تلهث وراءهم الصحف وأجهزة الإعلام في كل حركاتهم وسكناتهم وتلاحقلهم الوقفات والاحتجاجات والتضامنات متى اعتقلوا أو تعرضوا لأي أذى، ومهما طالب المدة أو قصرت، وهذا هو الطرف الثاني في نظرية "الخيار والفاقوس".
قلت إنني لن أذكر أسماء او تيارات أو أحداث برغم أن ذلك يظلم من وقفوا إلى جانب أحمد ومن يحملون اخلاصا في قلوبهم مهما كانت مرجعيتهم أو ايدلوجيتهم، ولكن الكل يعرف نفسه ويعرف مدى تطابق أفكاره ومبادئه التي يعلنها مع ما يفعله في الواقع، الكل يعرف متى تخاذل عن هذا أو ذاك لسبب يبطنه في نفسه ويظهر عكسه.
الموضوع كبير ومؤلم، ومسالة أحمد هي أبسط ما فيه، فهو معتقل منذ أربعة أشهر فقط!! فماذا عن بهاء فزاع المعتقل منذ خمسة أعوام؟ وماذا عن مجدي حسين المحكوم عليه بالسجن لمدة عامين بعد محاكمة عسكرية ملفقة بتهمة الدخول إلى غزة.
لماذا لا نتجرأ ونعلن بكل صراحة أن حزب العمل الإسلامي (نعم الإسلامي) الذي أتشرف بالأنتماء له هو على رأس قائمة "المغضوب عليهم"، طبعا هناك الكثيرين في هذه القائمة ممن لا ينتمون للحزب من قريب أو من بعيد أو مستقلين أو من تيارات أخرى، لا يتسع المجال لذكرهم هنا، ولكنهم معروفين لكل شخص داخل صفوف المعارضة المصرية.
لا أريد أن أطيل في هذا الموضوع فهو مجرد تنفيس عما بداخلي مما أراه وخاصة ما يتعرض له أخي أحمد الكردي الذي أزعم أنني قريب إليه للغاية، واعده من أقرب الناس إلى قلبي، فكما قلت من قبل قهو أخي الذي لم تلده أمي، فقط أريد أن اقول في النهاية أننا لا ننظر إلى تضامن أو نسعى إلى وسائل الإعلام أو أن نكون من قائمة "الخمس نجوم" لأننا لا نبتغي مما نفعله إلا وجه الله تعالى، ولا نهدف إلا عزة الأمة وقوتها، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وكم من أبطال وعظماء أعظم منا جميعا لم ينصفهم التاريخ أو تجاهلوهم المعاصرون، وكم من سفهاء وضعهم البعض في مصاف المناضلين الأبطال.

كلنا متابع للحرب الإعلامية المصرية مع حزب الله التي هي مجرد تصفية حسابات معه، مثلما حدث مع حماس من قبل وقت حرب غزة وكلنا يعرف كيف تمت المتاجرة بدماء الضابط المصري الذي قتل على الحدود وتصوير أن حماس قد أعطت تعليمات بقتله، بل وذهبوا إلى تسلل عناصر "تخريبية " إلى مصر للقيام بعمليات في الداخل ولكن لم يلبث أن تخلى الإعلام عن هذه الكلام فيما بعد لتطور الأحداث، فيما لم يتحدث أحد عن الانتهاكات الصهيونية "للسيادة" المصرية واختراق المجال الجوي المصري وكل ماحدث أثناء حرب غزة.
لو نظرنا إلى الأطراف التي تشترك في هذه التمثيلية: النظام المصري ، المجموعات المضادة للشيعة التي وجدت فرصة لتعبر عن نفسها دون تضييق من الأمن والتي تعتبر الشيعة هي الخطر الذي يهدد وجود الإسلام، وكذلك التيارات والفصائل التي اتهمت بدعم التشيع ودعم حزب الله مثل الإخوان المسلمين الذين ارتكب نوابهم خطأ فادحا باشتراكهم في هذه التمثيلية داخل مجلس الشعب(حتى ولو بحسن نية) والجانب الآخر هو الجانب المدافع عن حزب الله الذي مازال يتكلم عن المقاومة وعن حرب تموز 2006 وهو بذلك يعيد النقاش في موضوعات قد أقفلت، ولم تنتبه كل هذه الأطراف إلى لعبة النظام المصري ورغبته في تصفية حساباته مع كل من اتخذ موقفا مضادا، فحماس ثم قطر(برغم أن دورها هو مجرد محاولة للظهور)وتركيا (على استحياء) ثم حزب الله، فاللعبة واضحة وكان ينبغي ربط كل الأحداث سويا، فمازال الكثير من السياسيين يقعون في فخ تصنيف "مع أو ضد" الذي ابتدعته أمريكا "من ليس معنا هو مع الإرهاب" فمن سيدافع عن حزب الله سيتم وضعه في خانة المفرط في سيادة مصر والمتواطئ مع إيران بل وربما الداعي إلى نشر المذهب الشيعي، ومن معنا فهو سيهاجم حزب الله ويقلل من إنجازاته ويدافع عن النظام المصري وخيانته.
فلنقرأ تعليق شيمون بيريز"دع مصر وحزب الله يتقاتلان بعيدا عن إسرائيل"، وتعليق أحد المحللين في هاارتس وقت حرب غزة"المطالع للصحف المصرية يظن أن مصر هي التي تخوض حربا ضد حماس" عندها نعرف من المستفيد من هذا الوضع ومدى تورطنا في "مستنقع مع أو ضد" مع مصر أمام حزب الله أم مع حزب الله ضد مصر
إن المسألة ليست يا سادة بهذه النظرة الضيقة المشتتة التي لا يفيد منها سوى العدو الحقيقي للأمة (أمريكا والكيان الصهيوني) وأي طرف لا يفهم هذه النقطة فهو مخطئ بشدة.
إن تصوير إيران على أنها العدو الأول والأوحد، في نفس الوقت يتم الحديث عن اتصالات ومقابلات مع قادة الكيان الصهيوني، لهو قمة التغييب والتدليس الذي نقع فيه، وأخاف أن يأتي اليوم اليوم الذي تصبح فيه مصر "بقعة من الديمقراطية والحضارة غارقة في محيط من الجهل والتخلف" كما كان الكيان الصهيوني يروج لنفسه من قبل، أخاف أن تتحول سوريا وقطر وأيران وتركيا وحماس وحزب الله هم الأعداء الحقيقيون والكيان الصهيوني هو الصديق والحليف وصاحب العلاقات الاستراتيجية وإن كنا اقتربنا كثيرا من هذه الصيغة.
نأتي للقضية المثارة حاليا، والتي يتهم فيها شاب لبناني من حزب الله يقال أن اعتقاله تم قبل حرب غزة، فلو صحت هذه المعلومة -وأنا ارجح هذا- فليست هناك أية مصداقية لدى النظام المصري وإعلامه، النقطة الأخرى هو ماذا يفيد حزب الله من القيام بعمليات "إرهابية" داخل مصر حتى لو كان ذراعا لإيران – كما يزعمون- فهل يحتاج المشروع الإيراني إلى لإضعاف مصر خارجيا أو زعزعة أمنها الداخلي، إن مصر الضعيفة الهشة التي تراجع دورها الخارجي إلى أقصى حد ممكن، مصر التي على حافة انفجار شعبي داخلي، مصر في هذه الظروف توفر أفضل استفادة للمشروع الإيراني والمشروع الصهيوني والمشروع النيبالي حتى، تقزم دور مصر وانكماشها وتحولها هو الذي يساعد المشاريع غير العربية على النهوض في المنطقة، وليس ظهور إيران ومشروعها إلا نتيجة لغياب المشروع العربي –وغياب مصر بالأساس- الذي يحقق التوازن، فلا نلمومن إلا أنفسنا إذا، ولكن مع النظام المصري الذي يأبى الاعتراف بأي خطأ بل ويعمل ضد مصلحة مصر وضد مصلحة الأمة ويجهر بذلك وبفخر به، فتنقلب إيران إلى خطر وتتحول حماس إلى إمارة إسلامية إرهابية ويتحول حزب الله إلى محرض على عمليات تخريبية.
أضف إلا ذلك أنه لا يمكن الثقة بنظام قام بامداد الكيان الصهيوني بالغاز وقت حرب غزة غزة، ويقوم بمهاجمة المقاومة إعلاميا في نفس الوقت وينسب لها أشياء وهمية، ولعب دورا أساسيا في حصار القطاع حتى الآن، فهو قد تربع على عرش الخيانة للدين وللوطن.

أقدمت قوات مبارك الاجرامية على اعتقال المنسق العام للحركة الشعبية لتحرير مصر المدون أحمد سعد دومة عند الساعة الثانية عشر من ظهر يوم الاربعاء 4/2/2009م أتناء عودته من زيارة تضامنية لغزة استغرقت شهر.
لو نظرنا إلى التاريخ القريب، مثلا إلى مدينة بورسعيد في حرب 1956، من منا لا يسمي صمود المدينة أمام جيوش انجلترا وفرنسا انتصارا، ومن منا لا يقول كلمة بورسعيد الباسلة، وبرغم عدد الشهداء الكبير جدا وبرغم الخسائر المادية الرهيبة، مازلنا ندعوه انتصارا
لقد رأينا كيف انخفض سقف مطالب الكيان من "إنهاء سيطرة حماس"، إلى "إضعاف حماس"، ثم "إيقاف الصواريخ"، ثم "الحد من إطلاق الصواريخ"، ثم خرج أولمرت بعد كل هذا ليعلن تحقيق معظم الأهداف بينما كانت الصواريخ تسقط على المدن الصهيونية في لحظة خطابه
منذ بداية اليوم الأول للحرب ومطالب المقاومة هي وقف العدوان والانسحاب وفك الحصار وفتح المعابر، وظلت هذه المطالب لم تتغير حتى اليوم الأخير، وقد أعلن أولمرت وقف إطلاق النار من جانب واحد ليحرم المقاومة من إجبار الكيان على تنفيذ مطالبها، وهو ما يعكس واقعا حقيقيا على الأرض، بل وفرضت المقاومة واقعا جديدا ووسعت من مدى صواريخها وحققت عمقا استراتيجيا بهذه الصواريخ، فلا يعقل إذن أن يظل المهزوم متمسكا بمطالبه، ولا يعقل أن يخفض المنتصر من سقف مطالبه
كان اختيار اسم المعركة موفقا إلى حد كبير، فالاسم فضلا عن كونه يحمل دلالة إسلامية واضحة، فهو يعبر عن الواقع، فالمعركة هي علامة فاصلة في تاريخ الكيان الصهيوني سواء انتصر أو انهزم، فانتصاره سيكون بالقضاء على المقاومة التي ستذهب فداء لصحوة العالم الإسلامي، وهزيمته تعني اندحاره أمام قوة لا تقارن عسكريا بترسانته الجبارة ولا بالحروب التي خاضها ضد دول عربية كثيرة وخرج منها منتصرا، وتعني انكماشه ووقف تمدد أحلامه ، وكلنا قد رأى ماذا حدث للكيان بعد هزيمته على يد حزب الله منذ عامين